فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 172

كثير من الأطباء، ويقول طائفة من أصحاب الإمام أحمد: إن أصل الفعل في الدماغ فإذا كمل انتهى إلى الدماغ» [1] .

ولكن ابن تيمية في موضع آخر من فتاويه يرى أن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. وإن بداية الإدراك ونهايته تكون في الدماغ، يقول: «لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب.

والعقل يراد به العلم ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصورًا فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء وكلا القولين له وجه صحيح» [2] .

ولا يفهم من قول ابن تيمية من أن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، وقوله: «فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء» أن العقل والدماغ شيء واحد، أو أنه يساوي بين العقل والدماغ كالفلاسفة الماديين؛ الذين يرون أن العقل مادة، وأن العملية العقلية عبارة عن هزة عصبية لا أكثر ولا أقل ..

ولكنه يحدد العلاقة الدقيقة بين العقل والجسم المتمثل في الدماغ .. وهي العلاقة التي حيرت الفلاسفة والمفكرين لغموضها وعمقها، إلى أن جاء الفيلسوف الفرنسي «برغسون» ونقض أقوال الماديين، وبين أن العقل والدماغ ليسا شيئًا واحدًا، صحيح أن الإدراك العقلي يعتمد على الدماغ. فيسمو وينحط تبعًا لسلامة هذا أو انحطاطه، ولكن كما تعتمد الملابس على المشجب، تظل عالقة ما دام المشجب مثبتًا ف بالحائط، وتهوي إذا ما سقط من مكانه. وبديني أن ذلك لا يدل على أن الملابس والمشجب شيء واحد.

وبين برغسون أن الدماغ مجموعة من التصورات، أما الإدراك فهو تلك القوة التي تختار من بين تلك المجموعة ما تريد، الدماغ هو المجرى الذي يسير فيه تيار الإدراك، ولكن ليس الماء ومجراه شيئًا واحدًا، وإن يكن ذلك محددا بهذا، ولا بد له أن يخضع لتعرُّجه والتوائه.

وإن قراءة متأنية لأقوال ابن تيمية وأفكار برغسون تؤكد أن ابن تيمية - رحمه الله - سبق برغسون بستة قرون [3] في تقرير هذه الحقيقة .. التي تدل على عبقرية ابن تيمية وعمق تفكيره في هذه المسألة الشائكة.

(1) المرجع السابق.

(2) المرجع السابق 9/ 304.

(3) ولد ابن تيمية - رحمه الله - في عام 661 هـ (1263 م) بينما ولد الفيلسوف الفرنسي

1859 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت