الدول ذات طبيعة ووظيفة مغايرة للأخرى. فأحيانا يخف الدور ويقل حتى لا يكاد يذكر كما هو الحال في الدولة الحارسة، وأحيانًا يقوى الدور ويكبر حتى يكاد يبتلع ما عداه كلية، كما هو الحال في الدولة المنتجة التي أخذت على عاتقها مهمة القيام بالنشاط الاقتصادي، وأحيانا نجد الدور معتدلا متوسطا، كما هو الحال في الدولة المتدخلة ودولة الرفاهية.
وفي ضوء هذا التبدل والتطور في دور الدولة ووظائفها لا نجد في ظاهرة الخصخصة ما يثير الاهتمام بشكل مكثف في ظل الاقتصاد الوضعي، فما هي في النهاية إلا دورة من دورات التاريخ أو موجة من موجاته. فهل الأمر في الاقتصاد الإسلامي على هذا النحو أم له منحنى مغاير؟
إن الاقتصاد الإسلامي إلهي المصدر وإلهي المبادئ والقواعد يرتكز على النصوص الشرعية واجتهادات علماء المسلمين، واستقراء تلك المصادر وتدبرها يجعل الإجابة على السؤال المطروح بأن الأمر في الإسلام مغاير لما عليه في الاقتصاد الوضعي مغايرة تكاد تكون كلية في هذا الشأن.
ومنشأ هذه المغايرة اختلاف الركائز والمنطلقات، فهي هناك بشرية محضة، وهي هنا إلهية محضة، فلم يحدد المسلمون من عند أنفسهم وظائف ومهام الدولة الحاكمة لمجتمعهم، وإنما تم ذلك من قبل الإسلام، وما على المسلمين إلا الفهم والاستنباط ثم الصياغة في صورة مقولات فنية. فإذا قال الاقتصاديون الإسلاميون إن كفالة الحد الأدنى من المعيشة لكل أفراد المجتمع الإسلامي من وظائف الدولة ومهامها الأساسية فإنهم لم يبتدعوا ذلك من أنفسهم، وإنما هو الاهتداء والفهم والاستنباط من النصوص الشرعية؛ القرآنية والنبوية، وقس على هذا بقية الوظائف والمهام.
وحيث إن الأمر في الاقتصاد الإسلامي في هذه المسألة على هذا النحو فإن القضية لا تخضع للظروف والملابسات ولا للأهواء والتوجهات، وبالتالي تتبدل وتتغير من حين لآخر. وخاصة من حيث الحجم والقوة. وإن تطورت من حيث الشكل والصورة. وقد غاب عن البعض الفهم الدقيق لهذا الأمر فذهب إلى أن دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي يعتريه التغير والتبدل من حيث النطاق والحجم والقوة والضعف، تبعًا لظروف وأوضاع المجتمع. إن مهمة الدولة في الإسلام تتجسد في أمر واحد هو رعاية المجتمع"فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته"والرعاية كما هو بارز في اسمها وكما فهمها العلماء هي منتهى الحفظ والصيانة، وتحقيق أكبر مصلحة ممكنة. ومعنى ذلك أنها لا تقل في حالات وتزيد في أخرى، ولا تضعف في حالات ولا