عندما رآه يرعى في أرض أقل خصوبة فصاح عليه قائلًا: إني قد مررت بمكان هو أخصب من مكانك، وإن كل راع مسؤول عن رعيته.
4 -1 - 4 - الإشراف على القطاع الخاص ومداومة النظر في شئونه, ومهمتها هنا تتلخص في كلمتين لا ثالث لهما، الإعانة والتقويم. فعليها إعانته لينهض بدوره على الوجه الأمثل، ولها في سبيل ذلك العديد من الأدوات والصلاحيات المالية والتجارية وغيرها، وعليها من الناحية الأخرى أن تقومه وتجبره علي سلوك الجادة والحيلولة بينه وبين إلحاقه ضررًا بالغير. ويدخل في ذلك الربا والغش والاحتكار وكل أساليب اختلال التعامل والاستثمار والتوزيع والتصدير والاستيراد وتقديم خدمات علي غير وجهها. ومعني هذا بوضوح أن ترك الحبل علي الغارب للقطاع الخاص، يفعل ما يحلو له، وترك ما يريد، هو أمر مرفوض في الإسلام، فالقطاع الخاص قائم وله صلاحياته وحقوقه، ولكنه في الوقت ذاته محاط بعيون الدولة وتحت إشرافها تعينه وتدعمه من جهة، وتقويه وتأخذ علي يده من جهة ثانية. فالاعتراف بالقطاع الخاص وحريته وحقوقه لا يتعارض مع الاعتراف للدولة حياله من إشراف ورقابة وتنظيم، تحقيقًا للإعانة والتقويم.
إن الإسلام ينهي عن إضاعة المال، وينهي عن الإسراف والتبذير، ويكف يد السفيه عن التصرف في ماله ويعتبر حفظ المال أحد مقاصده الكبرى، وإذا كانت هذه التكليفات والأوامر والنواهي تنصرف إلي الأشخاص فهي تنصرف كذلك إلي الدولة والقائمين علي أمور الأمة، فليس من الرعاية المأمورة بها وجود موارد معطلة أو مهدرة، لأن ذلك يحول دون تحقيق الكثير من العبادات، كما أنه يعد معصية لله سبحانه وتعالي. وتحقيقا لذلك قامت الدولة في صدر الإسلام بإحياء الموات، والإقطاع، ودفع الناس إلي ممارسة النشاط الاقتصادي، وحاربت البطالة
فإذا كان تأمين الحد الأدنى من المعيشة وظيفة للدولة الإسلامية فإن تحقيق التوازن بين الأفراد اجتماعيا واقتصاديا هو وظيفة أخرى للدولة. وتتضمن هذه الوظيفة عدالة التوزيع، ووضع ضوابط للتفاوت في الدخول والثروات وتقليل حدة التفاوت بينها. وكذلك ضرورة مراعاة الأجيال القادمة وحماية حقوقها في مصادر الثروة. فالتوازن المطلوب شرعا هو توازن أفقي وتوازن رأسي، أي هو توازن علي مستوي الجيل الحاضر وتوازن علي مستوي الأجيال، فلا يطغي جيل علي أخر. وخير برهان علي ذلك ما تفعله الدولة الإسلامية في أرض الفتوح زمن سيدنا عمر رضي الله عنه، حيث راعت في