من حيث الواقع وهو ما سأتطرق إليه في العنصر الذي سيأتي تحت عنوان:"ما حقيقة الفرق بين المدرستين؟".
فمدرسة الحديث يتهمون مدرسة الرأي بترك العمل بالأحاديث، والعكوف على العقل والرأي والأقيسة، مما خلق فيهم الفرقة، لأن العقل غير معصوم، والعقول تختلف وتتأثر بالميولات، بخلاف النصوص فإنها ثابتة، لأنها من لدن حكيم خبير، ولذلك نجا أصحاب الحديث من التشرذم كما قال السمعاني رحمه الله:"وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل؛ فأورثهم الاتفاق والائتلاف. وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء، فأورثهم الافتراق والاختلاف. فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما يختلف، وإن اختلف في لفظ أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه. وأما دلائل العقل فقلما تتفق، بل عقل كل واحد يُرِي صاحبه غير ما يري الآخر وهذا بين والحمد لله" [1] .
ويرد عبد العزيز البخاري رحمه الله [2] على من يتهم أهل الرأي بتقديمهم له على صحيح الحديث بقوله:"كيف يظن بهم أنهم كانوا يقدمون الرأي على الحديث الصحيح الثابت المتن، ومع ذلك قدموا قول الصحابي ورواية المجهول على القياس؟، فلو زعم أحد أنهم خالفوا الحديث في صورة كذا وكذا، فذلك لمعارضة حديث آخر ثابت عندهم يؤيده القياس أو لدلالة آية أو نحو ذلك" [3] .
(1) الانتصار لأصحاب الحديث، للسمعاني، ص: 47، تحقيق: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني، ط 1، (السعودية: مكتبة أضواء المنار، 1417 هـ - 1996 م) .
(2) عبد العزيز بن أحمد بن محمد، عَلَاء الدِّين البُخَاري (000 - 730 هـ) (000 - 1330 م) : فقيه حنفي من علماء الأصول. من أهل بخارى. الأعلام، 4/ 13، مرجع سابق.
(3) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، لعبد العزيز البخاري، 1/ 17، (قسطنطينية: مطبعة سنده، عام 1308 هـ) .