ويتهم أصحاب الرأي أصحاب الحديث -كما ذكرت سابقا- بضعف الفهم والتأمل في روح النصوص، وبالجمود على الأحاديث وعدم استغلال معانيها لاكتساب رقعة مريحة في الاجتهاد، قال عبد العزيز البخاري رحمه الله:"فلأنهم سموهم أصحاب الرأي تعبيرا لهم بذلك، وإنما سموهم بذلك لإتقان معرفتهم بالحلال والحرام، واستخراجهم المعاني من النصوص لبناء الأحكام، ودقة نظرهم فيها، وكثرة تفريعهم عليها. وقد عجز عن ذلك عامة أهل زمانهم، فنسبوا أنفسهم إلى الحديث، وأبا حنيفة وأصحابه إلى الرأي" [1] .
ورد ابن تيمية رحمه الله على من يتهم أصحاب الحديث بقلة الفقه والإعراض عن المعاني والاجتهاد بقوله:"بعض أئمة أهل الكلام تكلموا في أهل الحديث، وذموهم بقلة الفهم، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث، ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه، ويفتخرون عليهم بحذقهم ودقة فهمهم، ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، ولكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية أهل الملل، فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم" [2] .
وعلى هذا فسبب هذا التقسيم هو مقدار الرأي والحديث؛ فإذا غلب الرأي وقل الحديث، فتلك مدرسة الرأي، وإذا غلب الحديث وقل الرأي، فتلك مدرسة الحديث. ولذلك قال الدكتور عبد العظيم محمود الديب رحمه الله [3] :"فالفرق إذا بين"
(1) المرجع السابق، 1/ 16.
(2) عزو مكرر للحاجة: علم الحديث، ص 44، مرجع سابق.
(3) ولد بمصر في عام 1929 م حفظ القرآن الكريم منذ صغره في كتّاب القرية وهو دون العاشرة اشتهر عبد العظيم الديب بملازمته لكتب ومؤلفات الإمام الجويني تُوفي توفي رحمه الله 2010 م.