فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 265

ويمكن فقه الحديث من استخراج العلل، لأن عمل المحدث منصب على المتن كما هو منكب على السند، ولذلك قال ابن رجب رحمه الله: قاعدة: الثقات الحفاظ إذا حدثوا من حفظهم وليسوا بفقهاء، قال ابن حبان رحمه الله [1] :"عندي لا يجوز الاحتجاج بحديثهم، لأن همتهم حفظ الأسانيد والطرق، دون المتون".

قال: وأكثر من رأينا من الحفاظ كانوا يحفظون الطرق، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة، يشيرون إليها.

قال: ومن كانت هذه صفته، وليس بفقيه، فربما يقلب المتن، ويغير المعنى إلى غيره، وهو لا يعلم، فلا يجوز الاحتجاج به، إلا أن يحدث من كتابه، ويوافق الثقات.

وقد ذكرنا هذا عن ابن حبان، فيما تقدم، وبينا أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو مختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، ولعله يختص بالمتأخرين من الحفاظ، نحو من كان في عصر ابن حبان، فأما المتقدمون كشعبة، والأعمش، وأبي إسحاق، وغيرهم فلا يقول ذلك أحد في حقهم، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقَفَ منه على خلاف ذلك، والله أعلم [2] .

إن القرآن والحديث نعمتان لا يعرف قدرهما إلا من غاص في المعاني مهتديا بالأصول والمقاصد الشرعية الصحيحة، لأنهما يمكنان من استخراج الأحكام التي تمكننا من عبادة الله جل وعلا على أحسن وجه، فالنصوص بمثابة الأرض بالنسبة للفلاح، وأساليب الاستنباط بمثابة الزرع، والأحكام بمثابة الثمرة.

فلا غرو أنه لا يحسن بالفقيه أن يجهل ما لا يسعه جهله من الحديث، مثلما لا يحسن بالمحدث أن يجهل ما لا يسعه جهله من الفقه، لأن ذلك يمكنه من فهم متون

(1) ذكر المحقق أن هذا كلام ابن حبان في كتابه المجروحين 1/ 78، لكنه بالمعنى، وقد بحثت عنه ولم أجده.

(2) شرح علل الترمذي، ص 717 - 718، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت