الاجتهاد، قال عبد العزيز البخاري رحمه الله:"وأما السنة فلا بد من معرفة الأحاديث التي يتعلق منها بالأحكام، وهي وإن كانت زائدة على ألوف فهي محصورة، وفيها التحقيقان المذكوران إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ، وأحكام الآخرة وغيرها."
والثاني لا يلزمه حفظها بل يكفيه أن يكون عنده أصل مصحح بجميع أحاديث الأحكام كالجامع الصحيح للبخاري والجامع لمسلم وسنن أبي داود ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى، وإن كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل" [1] . وقال أيضا:"وقيل يجب أن يحفظ ما اختص بالأحكام دون ما سواه" [2] ، وسوقه لهذا القول بصيغة التمريض ينبئ عن أنه مرجوح عنده والله أعلم."
إذ قد يكون الرجل حافظا متقنا للأحاديث لكنه لا يستطيع استخراج الأحكام منها، وبالتالي فالأمة محتاجة له في رواية الحديث وحفظ السنة والتأسي بالمحدثين الأقحاح، لكنه لا يجدي ولا ينجد في الفتوى؛ في حين أن هناك من له ملكة وقدرة كبيرة على الاستنباط، إلا أن حفظه للأحاديث ضعيف، لكن له قدرة كبيرة على استخراجها من مظانها، فكيف نقول له لا يحق لك الاجتهاد لأنك غير حافظ؟ فهنا أقصيناه وأضررنا بالأمة لتغييب عدد ممن توفرت فيهم آلة الاجتهاد، وهم نزر قليل في عصرنا مع عدم اشتراط الحفظ فكيف إذا اشتُرط؟ سيزداد الطين بلة، بل قد لا نجد من يفتي البتة في عدة أماكن من بلاد المسلمين؛ قال ابن تيمية رحمه الله:"ولا يقولن قائل: من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا. لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، فيما يتعلق بالأحكام، فليس في الأمة على هذا مجتهد, وإنما غاية العالم: أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه, بحيث لا يخفى"
(1) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، 4/ 15، مرجع سابق.
(2) المرجع نفسه، 4/ 15.