الأحاديث ومعرفته من ألزم اللوازم لكل مشتغل بعلوم الشريعة، ولا سيما المشتغلين بالحديث وعلومه، فلا يسوغ لطالب العلم أن يستشهد بحديث ولا يعرف درجته وموضع وجوده من كتب السنة.
وتشتد حاجة المسلمين إليه بعدما قصرت الهمم وضعفت العزائم وأصبح استخراج الحديث من مصادر السنة أمرا شاقا لجهل الناس بمصنفات السنة وطرق تبويبها ومناهجها وكيفية ترتيبها، فإذا ما عرف أنه في مسند الإمام أحمد مثلا فإنه لا يكاد يقلب بعض الصفحات حتى يمل ويكسل عن طلبه، لأنه لا يعرف كيفية تصنيفه، ولا الكتب التي تعين على فهمه وتيسيره وتقريبه، كل هذه النواحي يختص بها هذا الفن؛ لذا كانت الحاجة إليه ماسة في هذه الأزمنة أكثر من غيرها" [1] ."
وضابط التمكن من مظان النصوص، هو أن المستنبط يكون له من الإحاطة بها، ما يخول له غلبة الظن على أنه لا يوجد في المسألة دليل إذا طلبه فيها ولم يجده؛ يعني أنه إذا بحث عن دليل لمسألة معينة، ولم يجده في تلك المظان، غلب على ظنه أنه لا دليل على تلك المسألة، كما نقل ابن الحاج السيناوي عن شارح السعود رحمهما الله [2] :"... ولا يشترط حفظ المتون، أي ألفاظ تلك الآيات والأحاديث عند أهل الضبط أي الإتقان، وهم أهل الفن، وان كان حفظها أحسن وأكمل؛ بل يكفيه في الأحاديث أن يكون عنده من كتبها ما إذا راجعه فلم يجد فيه ما يدل على حكم الواقعة، ظن أنها لا نص فيها" [3] .
فعلى الفقيه أن يجتهد في حفظ أحاديث الأحكام ما أمكنه ذلك، وأن يجتهد أيضا في معرفة مظانها، حتى إذا لم يكن حافظا لها في صدره، أمكنه العثور عليها في محالها؛ ولا يشترط فيه حفظها كلها واستيعابها، لأن ذلك متعذر، واشتراطه يسد باب
(1) علم التخريج ودوره في حفظ السنة النبوية، ص 8، مرجع سابق.
(2) لم أتمكن من تمييزه ومعرفة عينه.
(3) الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع، لحسن السيناوي، 3/ 83، (تونس: مطبعة النهضة، 1347 هـ - 1928 م) .