فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 265

فالاستدلال بالأحاديث في استنباط الأحكام، فن لا يتقنه إلا من جمع إلى الملكة الفقهية دراية بعلوم الحديث، وكان الأئمة ينكرون على من استدل بالأحاديث المردودة لعلمهم بخطر ذلك على الفقه، ففي الصحيح غُنية عن الضعيف، ولذلك أمر الإمام أَحْمَدُ، أَحْمَدَ بن الحسن، بأن يستغفر ربه لما ساق خبرا ضعيفا في باب صلاة الجمعة، قال الترمذي رحمه الله: سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا على من تجب الجمعة، فلم يذكر أحمد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، قال أحمد بن الحسن: فقلت لأحمد بن حنبل: فيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أحمد: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟! قلت: نعم, [قال أحمد بن الحسن] : حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا مُعارِك بن عباد عن عبد الله بن سعيد المَقْبُري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"قال: فغضب علي أحمد بن حنبل وقال لي: استغفر ربك استغفر ربك.

[قال أبو عيسى] : إنما فعل أحمد بن حنبل هذا لأنه لم يعد هذا الحديث شيئا وضعفه لحال إسناده [1] .

ونجد العديد من الفقهاء يستدلون بالأحاديث المردودة ويبنون عليها الأحكام، وقد يبثونها في كتب الفقه، وسبب ذلك إما الجهل بدراسة الأسانيد وطرق التخريج، أو تقليد الآخرين، بحيث يغلط فقيه في سياقة حديث، فيتبعه تلميذه دون أيِّما نظر أو تمحيص؛ وقد أجمل عبد الله الجديع حفظه الله ما أريد قوله في هذه النقطة حين قال:"بل في كلام الفقهاء ما هو واه شديد الضعف، أو ساقط موضوع، وهذا في التحقيق يعود إلى أحد سببين:"

الأول: أن يكون الحكم ثابتًا بدليل غير ذلك الضعيف، فيأتي ذكره على سبيل الاستئناس، وهذا قد يُتساهل فيه فيما يكون ضعفه غير مسقط.

(1) أخرجه الترمذي في سننه،2/ 376 - 377، كتاب أبواب الجمعة، باب ما جاء من كم تؤتى الجمعة، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت