فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 265

والثاني: أن يكون المستدِل به ممن لا شأن له في تمييز المقبول من المردود، على ما عليه الحال الذي صار إليه أكثر الفقهاء، خصوصًا المتأخرين، فكم تراهم يتداولون الحديث يأخذه اللاحق عن السابق وهو لا أصل له، بل لا يوجد مسنَدا في شيء من الكتب البتة، لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع، وكم من حديث لا يروى إلا موقوفا أو مقطوعا عَدُّوه مرفوعا، وهذا ترى أمثلته واضحة في الكتب التي اعتنت بتخريج أحاديث كتب الفقه، كتخاريج النووي والزيلعي وابن الملقن وابن حجر والألباني، وغيرهم، كذلك الكتب التي اعتنت بتخريج الأحاديث المشتهرة على الألسنة.

ومن عجيب ما تراه في طريقة بعض الفقهاء في شأن هذا النوع من الحديث، أنهم إذا أرادوا الرد على استدلال المخالف لهم في المذهب بالحديث الضعيف اجتهدوا في إبراز ضعف ذلك الحديث، وعملوا على إسقاطه عليه من جهة الضعف، مما يدلك على أن الضعيف عندهم جميعًا مما لا تثبت به الحجاج، ولا يصح به الاحتجاج" [1] ."

وقد بنى بعض الفقهاء أحكامهم على أحاديث، حكم عليها من بعدهم بالضعف، فوجب على من أدرك ذلك التنبيه عليه، ولا يجوز له السكوت عن تلك الأخطاء، لأن من استدلوا بها فعلوا ذلك عن خطأ أو جهل، وقد بذلوا وسعهم وهم معذورون؛ وأما من علم بحالها وتحقق منه، ومِنْ أنهم لم يسوقوا ذلك ظنا منهم وجود أدلة عاضدة أو قواعد ومقاصد شرعية، فقد وجب عليه التحذير منها وإظهار ضعفها وبيان فساد الحكم المبني عليها. وهو ما فعله أصحاب كتب تخريج الأحاديث المبتوتة في الكتب الفقهية المشهورة، حيث نبهوا عن الأحاديث المردودة أو المشبوهة التي استدل بها أولائك الأعلام، وبينوا أوجه الضعف، وأحيانا يظهرون كيف أثر ذلك على الحكم الفقهي.

(1) تحرير علوم الحديث، 2/ 1104 - 1105، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت