ومن أهم هذه الكتب: نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي، وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير لابن حجر، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني، والهداية في تخريج أحاديث البداية لأحمد بن الصديق الغماري.
وَلَكَمْ يكون الخطب جللا إذا كثرت الأحاديث الموضوعة وأخذت مكانها ضمن خانة استدلال الفقيه؛ وإذا كان العلماء يتحاورون حول مدى إمكانية الاستدلال بالضعيف في فضائل الأعمال ويحاولون وضع الضوابط لذلك، ويتكلمون عن الحديث الضعيف الذي يَحْتمل الاعتضاد، فإن الحديث الموضوع لا يتمتع بهذه الإمكانية، ولا أحد من العلماء يقول بجواز الاستدلال به، ولا أحد يتحدث عن إمكانية انجباره، فلا يشك أحد في عدم جواز الاستدلال به، إلا في معرض الذم و بيان الوضع؛ مع الإشارة إلى أنه يتحتم علينا أن نحسن الظن بفقهائنا إذا وجدنا أحدهم بانيا حكما على حديث موضوع، فنظن مباشرة أن ذلك إنما حصل على سبيل الخطأ.
فالأحاديث الموضوعة سم زعاف، يهدد المؤلفات كيفما كان نوعها، كما أعرب عن ذلك ابن الكمال فيما نسب إليه المناوي رحمه الله من قوله:"كتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة، وكأكابر الفقهاء، فإن الصدر الأول من أتباع المجتهدين، لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع" [1] .
ورغم كل هذا، فالحمد لله نحن أمة سند، فلا يعني وجود الموضوعات في بعض الكتب أن العلم فسد، بل إن الله قد قيض لهذه الأمة على مر الدهور، رجالا ينخلون تلك الكتب، ويبينون صحيح الأخبار من سقيمها، وقيل أن هارون الرشيد أخذ زنديقًا
(1) فيض القدير، 1/ 20 - 21، مرجع سابق.