فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 265

فلا يستلزم الاستدلال بالصحيح صحة الاستدلال، فقد يستدل الفقيه بحديث صحيح الإسناد، لكن عند التأمل نجد أنه منسوخ، فيكون الحكم الذي توصل إليه خاطئا، والحكم الصحيح هو المستفاد من الناسخ. قال ابن تيمية رحمه الله:"ثم قد يغلط في النسخ، فيعتقد المتأخر متقدما" [1] ، ولذلك اشترط في المجتهد أن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ، لكنه إذا اجتهد وبذل الوسع فعمل بالمنسوخ لجهله بالناسخ فهو معذور كما قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:"أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ، فيكون الحديث صحيحا والمراد منه مفهوما ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه، فحينئذ له العذر لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم بالناسخ."

ومن هذا رأى ابن مسعود رضي الله عنه .. ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع؟ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه ويضعهما بين ركبتيه، هذا هو المشروع في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، وصار المشروع أن يضع يديه على ركبتيه. وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه لم يعلم بالنسخ، فكان يطبق يديه، فصلى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبتيهما، ولكنه رضي الله عنه نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق [2] .

ومن رحمة الله جل وعلا أنه جعل الأحاديث المنسوخة قليلةً جدا بالمقارنة مع الأحاديث المحكمة، وإلا لكان الفقهاء والمجتهدون في حرج شديد، قال الطوفي رحمه الله:"ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة، والإحاطة بمعرفة ذلك أيسرُ من غيره، لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من الكتاب والسنة" [3] .

فالحاصل أن الفقيه محتاج للأحاديث، ولكي لا يقع في فخ الاستدلال بالأحاديث المردودة، فإن عليه شيئين:

(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص 31، مرجع سابق.

(2) الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه، لمحمد ابن عثيمين، ص 22 - 23، (الرياض: دار الوطن للنشر، 1423 هـ) .

(3) شرح مختصر الروضة، 3/ 580، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت