فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 265

وكما يظهر جليا من الحديث، فإن العلماء يخطئون، ولا يكون ذلك إلا عن جهل بالمسائل التي أخطؤوا فيها؛ ومن جملة التصريحات التي تدل على ذلك، ما ذكره حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال:"لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة، ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت، فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه" [1] .

فقد يُفهم النص على غير ما وضع له، إما بسبب جهل بسيط من المستدل بحيث لا يعرف المقصود من النص أصلا، وإما بسبب جهل مركب بحيث يظن المستدل أنه يَفهَم النص والأمر خلاف ذلك، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"أن يكون فَهِم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة" [2] .

التعارض الموهوم، وعدم القدرة على الجمع أو الترجيح:

للعلماء آلات الجمع بين النصوص بلا شك، لكنهم متفاوتون في ذلك؛ فنجد بعضهم يسقط أحد النصين الثابتين اللذين ظاهرهما التعارض، في حين يُوَفَّق الآخر في الجمع بينهما لمزيد علم عنده.

فإذا لم يوفق للجمع أو الترجيح بينهما بالطريق الصحيح، فإما يسقط أحدهما، أو يجمع بينهما بطريقة غير سليمة، أو يرجح ترجيحا غير مَسُوغ؛ فيمكن إذن، أن يتوهم الفقيه تعارضا بين نصين، والواقع الجمع بينهما، كأن يكون أحدهما عاما والآخر خاصا، فيُعْمِل كلاًّ في بابه. ولما اعترض أعداء الحديث، وقالوا: حديثان متناقضان، رد عليهم ابن قتيبة رحمه الله قائلا:"ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف، ولكل"

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، 8/ 123، كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرا مقدورا، مرجع سابق.

(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، 6/ 21، ط 1، (المملكة العربية السعودية- جدة: دار بن الجوزي، 1423 ه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت