معنى منها وقت وموضع، فإذا وضع موضعه، زال الاختلاف" [1] ، وهذا هو دأبه في هذا الكتاب يبين الأحاديث التي التبست على البعض وظنوها متعارضة، ثم يجمع بينها ويرفع ذلك التعارض. وكأنموذج لذلك، قولهم: رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل، فتقطع يده"."
ورويتم أنه قال:"لا قطع إلا في ربع دينار".
هذا، والحديث الأول حجة للخوارج، لأنها تقول: إن القطع على السارق في القليل والكثير.
قال أبو محمد [2] : ونحن نقول: إن الله عز وجل، لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم:"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده"على ظاهر ما أنزل الله تعالى عليه في ذلك الوقت.
ثم أعلمه الله تعالى: أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه [3] .
ولا أقصد هاهنا، ترجيح قول من قال بأن النصاب هو ربع الدينار، فأنا أعلم أن المسألة خلافية، إنما أرمي إلى إبراز إسقاط أحد الأدلة مع إمكان الجمع؛ فالخوارج أسقطوا حديث ربع الدينار وهو في الصحيح، والأولى هو العمل بالدليلين ما دام الحديث الآخر متفقا على صحته.
فالإعمال أولى من الإهمال، أي أن العمل بالدليلين الصحيحين، أولى من إسقاطهما، قال ابن أمير حاج رحمه الله:" (وقد يخال) أي يظن (تقدم الجمع) بين العام والخاص على الترجيح عند الحنفية (لقولهم الإعمال أولى من الإهمال وهو) أي"
(1) تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص 167 - 168، ط 2، (لبنان- بيروت: المكتب الاسلامي/ الأردن -عمان: مؤسسة الإشراق، 1419 هـ - 1999 م) .
(2) هو ابن قتيبة صاحب الكتاب، ولد بالكوفة سنة 213 ه، وتوفى سنة 276 ه.
(3) تأويل مختلف الحديث، ص 245، مرجع سابق.