والفرق بين هذا، وبين الذي قبله, أن الأول لم يعرف جهة الدلالة. والثاني عرف جهة الدلالة, لكن اعتقد، أنها ليست دلالة صحيحة, بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة, سواء كانت في نفس الأمر صوابا أو خطأ.
مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة. أو أن المفهوم ليس بحجة, أو أن العموم الوارد على سبب مقصور على سببه, أو أن الأمر المجرد لا يقتضي الوجوب، أو لا يقتضي الفور, أو أن المعرف بالألف واللام لا عموم له, أو أن الأفعال المنفية، لا تنفي ذواتها، ولا جميع أحكامها, أو أن المقتضي لا عموم له، فلا يدعي العموم في المضمرات والمعاني.
إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه.
فإن شطر أصول الفقه: تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم, وإن كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات المختلف فيها.
وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات وهل هي من ذلك الجنس، أم لا؟ مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين مجمل, بأن يكون مشتركا لا دلالة تعين أحد معنييه, أو غير ذلك.
السبب الثامن:
اعتقاده: أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة.
مثل معارضة العام بخاص, أو المطلق بمقيد, أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب, أو الحقيقة بما يدل على المجاز. إلى أنواع المعارضات. وهو باب واسع أيضا.
فإن تعارض دلالات الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، بحر خضم" [1] ."
فلا يكفي لفهم الأحاديث، مجرد الفهم الظاهر والمعرفة باللغة، كما ذكرت في القواعد، بل يجب على الفقيه أن يكون له زاد مهم جدا من أصول الفقه، يتمكن به من فهم دلالات الألفاظ، والترجيح بين النصوص أو الجمع بينها، والتفريق بين المطلق والمقيد، والخاص والعام، ونحو ذلك، كما قال ابن رجب رحمه الله: وأكثر الأحاديث فيها"وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورا".
(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص 29 - 30، مرجع سابق.