يرخص فيه إِذْ لم يبلغه الحديث والله أعلم" [1] ، ويستمر قائلا:"ولا يجوز التختم بالحديد لأنه حلية أهل النار، ولا بالشبه، فقد جاء النهي عن التختم بهما عن النبي عليه السلام وقد أجاز ذلك من لم يبلغه النهي عن ذلك، كما أنه أجاز التختم بالذهب للرجال والنساء من لم يبلغه النهي عن ذلك، وهو شذوذ، وبالله التوفيق" [2] ."
ولهذا حُكيت عنهم عجائب في حفظ السنة وضبطها وتدوينها، حرصا منهم رحمهم الله على توفير خزانة حديثية في الصدور والسطور، تمكنهم من صيانة السنة، ومن توفير آلات الاجتهاد والاستدلال، أما اليوم، فالحمد لله، اجتمعت السنة في الكتب وفي الحواسيب، وسهُلت الأسفار، فبإمكان العالم أن يجد الحديث الذي كانوا يسافرون إليه مسافة شهر، بمكالمة هاتفية أو ضغطة زر، لكن بالمقابل ضعفت الهمم وقل الحفظ وذهبت البركة.
فقد انقطع العذر إذن، ما دام بإمكان المجتهد أو الباحث أن يسأل المحدثين في جميع أنحاء العالم، ويستعمل فهارس كتب السنة، والبرامج الحاسوبية المتقَنة، وغير ذلك، ليحصل على الأحاديث وأحكامِها، ثم يستغلها في استنباط حكم النازلة، وأما غير النوازل فبإمكانه علاوة على ذلك الرجوع إلى كتب الفقه ليجد بغيته.
فتش ولم يجد حديثا في المسألة فحكم بخلافه:
الفرق بين هذه الحالة والتي قبلها أن المجتهد هنا بذل الوسع، وسافر كما في قديم الزمان، أو سأل وبحث في زماننا، لكنه لم يجد الحديث، كَأَنْ أخطأ في معرفة المظان أو طريقة طرح السؤال على الأخصائيين أو غير ذلك، قال محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:"ولا شك أن مذهب مالك المدون، فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي. والظاهر أن بعضها لم يبلغه رحمه الله، ولو بلغه لعمل به، وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلا أقوى منه."
(1) المقدمات الممهدات، لمحمد ابن رشد، تحقيق محمد حجي، 3/ 430، ط 1، (لبنان- بيروت: دار الغرب الإسلامي 1988 - 1408) .
(2) المرجع نفسه، 3/ 430 - 431.