فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 265

فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض تتميز صحيحها من سقيمها وتتبين رواة ضعاف الاخبار من أضدادهم من الحفاظ" [1] ."

فحاشاه رضي الله عنه أن ينكر شيئا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما أنكر المسح دل ذلك على أنه لم يبلغه الحديث.

يحكم في نازلة لم يبلغه فيها حديث، ثم يبلغه بعد ذلك:

يجتهد في نازلة لعلمه أَنْ ليس فيها حديث، ثم يصل إلى حكم معين، وبعد ذلك يبلغه حديث صحيح معمول به؛ فإن كان الحكم الذي توصل إليه آنفا، مخالفا للحديث وجب عليه الرجوع للحديث، وقد حصل هذا حتى لفقهاء الصحابة، فكيف بمن دونهم، قال أمير بادشاه رحمه الله:"وقد اجتهد عمر وغيره من الصحابة في مسائل كثيرة، ولم يستحضروا فيها المنصوص، حتى رويت لهم فرجعوا إليها" [2] .

وأما إن اجتهد المجتهد وهو يجهل النص، ثم لما بلغه وجده موافقا لاجتهاده، فليحمد الله عز وجل، كما فعل عمر رضي الله عنه في قصة خروجه إلى الشام، وهي في الصحيح عن عبد الله بن عباس: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسَرْغَ لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابُه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تُقْدِمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا

(1) التمييز، للإمام مسلم، 1/ 209، ط 3، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، (السعودية: مكتبة الكوثر، 1410 ه) .

(2) تيسير التحرير، 4/ 181، لأمير بادشاه، (مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1351 ه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت