سوقها هنا، هي أن الفقيه قد يكون انتقل مما روى إلى ما رأى لمُسَوغ عنده، وقد يكون ذلك المسوغ مرجوحا، فينتج عن ذلك إسقاطُه لحديث عليه العمل، وبالتالي إسقاطه للحكم الفقهي اللاحق به.
رد الحديث وعدم العمل به لمجرد الهوى أو الوسوسة:
في الحالات السابقة ذكرنا أن عدم العمل بالأحاديث كان لأمور اجتهادية مأجور أصحابها على كل حال، وهنا أذكر الحالة التي يكون فيها عدم العمل بالحديث راجعا لمجرد الهوى أو الوسوسة ونحوهما، ومن ذلك ما رواه ابن نجيم عن الخطابي رحمه الله من قوله:"وقد تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له وقال كيف يجتمع الدواء والشفاء في جناحي الذبابة وكيف تعلم ذلك حتى تقدم جناح الداء قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، والذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت ثم يرى الله عز وجل قد ألف بينها وجعلها سببا لبقاء الحيوان وصلاحه لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والدواء في جزأين من حيوان واحد، وأن الذي ألهم النحلة اتخاذ بيت عجيب الصنعة وتعسل فيه وألهم النملة كسب قوتها وادخاره لأوان حاجتها إليه هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا وتؤخر آخر، لما أراد الله من الابتلاء الذي هو مَدْرَجة التعبد والامتحان الذي هو مضمار التكليف، وله في كل شيء حكمة وعلم وما يذكر إلا أولو الألباب اهـ" [1] .
بلغه الحديث ثم نسيه فعمل بخلافه أو توقف:
تبادر إلى ذهني ذكر هذه المسألة انطلاقا من أمرين:
أولا: مبحث معروف في علم المصطلح يعنونون له ب:"من حدث ونسي"، ومن أشهر ما أُلِّف فيه، كتاب"تذكرة المؤتسي فيمن حدث ونسي"لجلال الدين السيوطي رحمه الله، حيث يُحَدث المحدِّث بحديث، ثم ينساه ويلقنوه إياه بعد ذلك؛ فيصبح
(1) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري، 1/ 93، مرجع سابق.