عيونها. ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء" [1] ."
فقد سخر الله جل وعلا الفقهاء ليبينوا للناس أحكام الشرع، ومنذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والناس يسألون عن أمور دينهم، ويستفسرون عما يعرض لهم من مستجدات؛ فكان صلى الله عليه وسلم يجيبهم ويحل مشاكلهم من جهة، ويكون ذلك تشريعا لمن بعدهم من جهة أخرى. ولما توفي صلى الله عليه وسلم، لم يحس صحابته بأي حرج في نقل الأحكام عنه أو في إصدار أحكام جديدة في النوازل التي لم تكن في عهده، فقد أكمل الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الدين قبل وفاته، فترك للفقهاء الآلات التي تخول لهم استنباط الأحكام؛ لأن النصوص محدودة والوقائع والمستجدات غير متناهية، فقد اشتملت الشريعة الغراء والرسالة الخاتمة على القواعد العامة والنصوص متعددة الدلالات، التي بها يستطيع مجتهدو الأمة استنباط الأحكام الفقهية لكل ما يستجد من قضايا ومشكلات.
وما ينتج من اختلافات بين الفقهاء لا يخرم هذه القاعدة [2] ، حيث اختلف الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل اجتهادية ولم ينكر عليهم؛ فالاختلافات الفقهية مستساغة في حالة غياب النصوص الصريحة الصحيحة، بشرط أن يكون الاجتهاد قائما على النصوص والقواعد الشرعية والمقاصد العامة، قال ابن الوزير رحمه الله: ... وثبت أن الفتنة وقعت بين الصحابة ما لها سبب إلا اختلافهم في الفهم ... وأوضح من هذا كله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرط التعمد فقال:
(1) معرفة أنواع علوم الحديث، لابن الصلاح، ص 5، تحقيق: نور الدين عتر، (سوريا: دار الفكر/ بيروت: دار الفكر المعاصر، 1986 م) .
(2) وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك للفقهاء آلات استنباط الأحكام.