مناقشة الأحاديث ودراسة الأسانيد، ويتكلمون باصطلاحات خاصة انفرد بها علم مصطلح الحديث؛ ومن لم يدرسه لا يستطيع فهم كلامهم، ومن ثم لا يعلم ماهية استشهادهم ولا ردهم على بعضهم بعضا؛ ولا يستطيع أيضا الاجتهاد، لأنه سيحتاج للبحث في كتب أهل العلم في مناقشتهم للأحاديث، وكلامهم عنها لا ينفك عن الاصطلاحات المبثوثة في كتب المصطلح.
كما أن الكلام في الأسانيد مبناه على الكلام في الرجال، والكلام في الرجال مبناه على الجرح والتعديل، فَعُلِم أن ضبط ألفاظ الجرح والتعديل، ومعرفة أسس علم الرجال أمور لا مفر منها عند دراسة الأسانيد، قال عبد العزيز البخاري رحمه الله:"... والتحقيق فيه [1] أن كل حديث يفتي به مما قبلته الأمة لا حاجة به إلى النظر في إسناده فإن خالفه بعض العلماء فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم. والبحث عن أحوال الرجال في زماننا هذا مع طول المدة، وكثرة الوسائط أمر متعذر فلو جوزنا الاكتفاء بتعديل أئمة الدين الذين اتفق الخلف على عدالتهم والاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة روايتها كان حسنا، وقصر الطريق على المفتي" [2] .
فمعرفة الرجال تحتاج إلى قواعد الجرح والتعديل، ومشكل التعارض بينهما واجتماعهما في راو واحد؛ فعلى الفقيه أن يكون على بينة منها ليتمكن من النظر في الأسانيد والحكم على الأحاديث، لكن لا يُقْصَد من هذا حفظ كتب الرجال، وإنما معرفة كيفية التعامل معها، والوصول إلى الأحكام فيها بأيسر السبل.
وأما علم العلل، فهو من أغمض العلوم، لأن العلة هي سبب غامض خفي يقدح في حديث ظاهره الصحة؛ فعند دراسة سند الحديث، قد يظهر عليه الصحة في أول وهلة، لكن عند التفتيش يكتشف الحذاق أن فيه علة في سنده أو متنه. وغاية هذا العلم
(1) يقصد: معرفة الرواة وتمييز الصحيح من الفاسد والمقبول من المردود.
(2) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، 4/ 16، مرجع سابق.