فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 265

بالنسبة للفقيه، هو اقتناعه بضرورة التريث قبل الحكم على الأحاديث بالصحة لمجرد صحة السند؛ فشتان بين حديث صحيح الإسناد وحديث صحيح. ونستطيع آنذاك أن نفهم لماذا يرد الفقهاء المتقنون بعض الأحكام الفقهية المبنية على أحاديث يظهر عليها الصحة، وإنما فعلوا ذلك لأن المحدثين الفحول أعلوا تلك الروايات.

وخلاصة ما سبق هو ما قاله الشوكاني رحمه الله:"والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن، كالأمهات الست، وما يلتحق بها مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد، والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة."

ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له، مستحضرة في ذهنه، بل أن يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها، بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها، والحسن، والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة.

وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح، وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها، وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح" [1] ."

ولا أقصد هنا أن على الفقيه الإحاطة بهذه العلوم والتعمق فيها، فهذا كان متعذرا في العصور الأولى فكيف بالآن، وقد ذكرت أنه قلما تجد فقيها ومحدثا في آن واحد وسبق تفصيل هذا. إنما المغيا هنا هو معرفة ما لا يسع الفقيه جهله من هذه العلوم، والذي يمكنه من فهم كلام العلماء، والنقل عنهم، ومعرفة مظان مصطلحات

(1) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني، ص 1030، تحقيق: أبو حفص سامي بن العربي، ط 1،) الرياض: دار الفضيلة 2000 - 1421).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت