فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 265

وسواء هذا أو هذا، فإن التساهل في علم الحديث يخرم الاجتهادات الفقهية، ولله در ابن الجوزي رحمه الله حين قال:"كان الفقهاء فِي قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن وأن نعتمد عَلَى الكتب المشهورة في الحديث، كسنن أبي داود ونحوها، ثم أهونوا بهذا الأمر أيضا وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟، وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح، ولا يعلم لقلة التفاته إلى معرفة النقل. وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة فكيف يستخرج من شيء لا يعرف؟ ومن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟، ولقد كانت معرفة هذا تصعب ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتى يعرف ذلك، فصنفت الكتب وتقررت السنن وعرف الصحيح من السقيم."

ولكن غلب المتأخرين الكسل بمرة عن أن يطالعوا علم الحديث، حتى إني رأيت بعض الأكابر من الفقهاء يقول في تصنيفه عن ألفاظ في الصحاح: لا يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا، ورأيته يحتج فِي مسألة فيقول: دليلنا ما روى بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا ويجعل الجواب عن حديث صحيح قد احتج به خصمه أن يقول هذا الحديث لا يعرف، وهذا كله جناية على الإسلام" [1] ."

فأهل الحديث شامة بين الناس، لأن العلوم الشرعية لا تقوم إلا بالسنة، وكيف ينتفع بها إن لم يتصد لها أصحابها؟، فالفقهاء متفقون على وجوب تحري الصحة في الأحاديث التي يبنون عليها اجتهاداتهم، ومن ثم فهم في حاجة للرجوع إلى المحدثين وإلى مؤلفاتهم. وبعبارة أخرى، فإن الفقيه يبدأ من حيث انتهى المحدث، فإذا صحح الحديث عمل به، وإذا رده المحدث عدل عنه الفقيه إلى دليل آخر. وكذلك المحدث فهو في حاجة إلى الفقه ليفهم معاني الأحاديث وتنزيلاتها؛ فلهذا أخطأت طائفة من الفقهاء بإهمالها للحديث، وفرطت طائفة من المحدثين بإهمالها للفقه، وبرعت فرقة

(1) تلبيس إبليس، لابن الجوزي، ص 698 - 699 - القسم الثاني: النص المحقق-، ط 1، تحقيق: أحمد بن عثمان المزيد، (الرياض: دار الوطن، 2002 م-1423 ه) ،.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت