(وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ(116) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)
(البلاغة)
1 -المشاكلة: في قوله تعالى: «وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» فقوله في نفسك للمشاكلة.
والمراد تعلم معلومي الذي أخفيه في قلبي فكيف بما أعلنه ولا أعلم معلومك الذي تخفيه وسلك في ذلك مسلك المشاكلة كما في قول الشاعر:
«قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا»
إلا أن ما في الآية كلا اللفظين وقع في كلام شخص واحد وما في البيت ليس كذلك.
1 -فن التخيير: في قوله تعالى: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .
وهو فن من فنون البلاغة، منقطع النظير، صعب الإدراك. وحدّه أن يأتي الشاعر أو الناثر بفصل من الكلام أو بيت من الشعر يسوغ أن يقفّى بقواف شتى فيتخير منها قافية - مرجحة على سائرها ويستدل بإيثاره إياها على حسن اختياره وصدق حسه. وهو في هذه الآية حيث البداهة البدائية تقضي بأن تكون الفاصلة «إنك أنت الغفور الرحيم» لملاءمتها لقوله: «إِنْ تَغْفِرْ» ولكن هذا الوهم الناجم عن هذه البداهة سرعان ما يزول أثره عند ما يذكر المتوهم أن هؤلاء قد استحقوا العذاب دون الغفران، فيجب أن تكون الفاصلة: «الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .
الأصمعي والأعرابي:
كان يقرأ الأصمعي يوما «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ» وختم الآية بقوله «والله غفور رحيم» وكان يسمعه اعرابي فاعترضه وخطأه فراجع الأصمعي الآية فإذا بها «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» فقال للاعرابي: كيف عرفت ذلك؟ فقال: يا هذا: عزّ فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع. فدهش الأصمعي وأفحم. فتأمّل ... !