فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 1634

[سورة البقرة(2): آية 5]

(أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)

(البلاغة)

1 - «عَلى هُدىً» إن ما في هذا القول من الإبهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمه كأنه قيل على أي هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره.

وإيراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يعتلي الشيء ويستولي عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية متفرعة على تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه وكمال رسوخهم فيه.

2 -والذي هو أرسخ عرفا في البلاغة أن يقال إن قوله «الم» جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها و «ذلِكَ الْكِتابُ» جملة ثانية و «لا ريب فيه» ثالثة. و «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا، إلى الثالثة والرابعة.

بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدي به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرا لجهة التحدي، وشدّا من أعضائه. ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر الذي هو «هدى» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكرا. والإيجاز في ذكر المتقين.

زادنا الله اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقا للعمل بما فيه.

(الفوائد)

1 -قوله تعالى: (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) .

في هذه الآية نقطة بلاغية كريمة فقد أشار سبحانه إلى تمكنهم من الهداية بأن جعلهم يعتلونها كما يعتلى الراكب المطية وهي استعارة تبعية لأنها جرت بالحرف بدلا من الاسم وبالجزء بدلا من الكل. وفي هذا التعبير سمة من سمات الإعجاز القرآني فبدلا من الوصف المباشر بأن يقول: «أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» فقد أخبر بأنهم على هداية إشارة إلى قوة الاهتداء وتمكن المؤمن من الهداية.

2 -لا بد من تقرير هذه القاعدة التي هي من البديهيات والتي يحسن بطالب المعرفة أيّا كانت درجته أن يضعها نصب عينيه وهي: «إنّ كل ضمير يتصل باسم فهو في محل جر بالإضافة» بخلاف الضمير المتصل بالفعل فقد يكون فاعلا مثل «يخادعون» فالواو فاعل وقد يكون مفعولا به كقوله تعالى: «فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا» فالضمير «هم» في محل نصب مفعول به.

ولاستيفاء الفائدة، لا بد من الإشارة إلى أنه لدى اعراب الضمير لا بد من ذكر نوعه وبنائه ومحله من الإعراب.

3 -اختلف سيبويه والكسائي حول مادة «الناس» فذهب سيبويه إلى أنه من مادة «أنس» من الأنس واتجه الكسائي إلى أنه من مادة «نوس» من الحركة.

وبما أن الإنسان تغلب عليه صفة الأنس ويكاد ينفرد بها عن سائر الحيوان في حين أنه يشترك في صفة الحركة مع جميع الأحياء ويعجزنا وجود بعض أصناف الحيوان أكثر حركة من الإنسان، ولهذا يبدو أن الحق في جانب «سيبويه» ولا نكون مجانبين الصواب إذا أخذنا برأيه دون رأي الكسائي فرجحنا أن اسم الإنسان هو من الأنس وليس من الحركة وهي «النوسان» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت