كان في التابعين أكثرَ منه في الصحابة فهو قليلٌ بالنسبة إلى مَن بعدَهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر) [1] .
ثانيًا: أنهم قد يُفتون بالرأي، كما قال ابن تيميّة: (والمقصود أن التابعين تلقّوا التفسير عن الصحابة كما تلقّوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلّمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال كما يتكلّمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال) [2] .
لكن يُرجَع إلى أقوالهم وتُذكَر للاستئناس بها [3] فيما لا يخالف الكتاب والسنّة، ومما يؤيِّد ذلك:
أوّلًا: أنهم من أهل القرون المفضّلة؛ لقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم: (( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ) [4] ، وهذا يشمل تقدُّمهم في العلم والعمل، فرأي أحدهم أقرب إلى الصواب من رأي مَن جاء بعدَهم.
قال ابن تيميّة: (ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخِّرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك؛ فإنهم أفضل ممن بعدَهم كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، فالاقتداء بهم خيرٌ من الاقتداء بمن بعدَهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خيرٌ وأنفع من معرفة ما يُذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، ... وذلك أن إجماعَهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحقّ لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطإ قولٍ من أقوالهم حتى يُعرف دلالة الكتاب والسنّة على خلافه، قال تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
(1) مجموع الفتاوى 13/ 332.
(2) مجموع الفتاوى 13/ 332 - 333.
(3) المراد بالاستئناس: الاستشهاد والتأييد والتقوية.
(4) أخرجه البخاريّ في كتاب الشهادات، بابٌ لا يشهد على شهادة جَوْرٍ إذا أُشهِد، 1/ 584، ح 2652 - واللفظ له -. ومسلمٌ في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، 4/ 1558 - 1559، ح 2533: من حديث ابن مسعودٍ - رضي الله عنه -.