فهرس الكتاب
إن القواعد التي عمل بها المحدِّثون في الحكم على الأحاديث يُراد منها التوصّل إلى تمييز الثابت من غيره ومعرفة درجة كلّ حديثٍ بالنظر إلى إسناده ومتنه، ومن المعلوم أن كلاًّ من الموقوفات والمقطوعات نوعٌ من الأحاديث وقسمٌ من المرويّات، وتطبيق قواعد المحدّثين في الحكم عليها هو الأصل الموافق للأدلّة النقليّة والعقليّة، ويشهد له عمل الأئمّة النقّاد.
قال ابن أبي حاتمٍ: (فإن قيل: كيف السبيل إلى معرفة ما ذكرتَ من معاني ... كتاب الله - عز وجل - ومعالم دينه؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه النجباء الألبّاء الذين شهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، رضي الله تعالى عنهم. ... فإن قيل: فبماذا تُعرَف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصّهم الله - عز وجل - بهذه الفضيلة ورزقهم هذه المعرفة في كل دهرٍ وزمانٍ) [1] . قال: (فلما لم نجدْ سبيلًا إلى معرفة شيءٍ من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نُمَيِّز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة) [2] .
ومن قبله قال ابن مهديٍّ: (وليس بإمامٍ من حدّث بكل ما سَمِعَ، وحدّث عن كل ما لَقِيَ، ويُجيب بكلّ ما يُسأل عنه، وحدّث كلَّ مَن سأله. واكتب حديثَ النبيّ عليه السلام ما وجدتَه عن ثقةٍ، ثم تتبّعْ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثقات، ثم اكتب حديثَ التابعين، ثم لا كتاب بعد ذلك) [3] .
وقال ابن رجبٍ: (ويحتاج من أراد جمع كلامهم إلى معرفة صحيحة من سقيمه، وذلك بمعرفة الجرح والتعديل والعلل، فمَن لم يعرفْ ذلك فهو غير واثقٍ بما ينقله من ذلك ويلتبس
(1) الجرح والتعديل 1/ 2.
(2) المصدر السابق 1/ 5.
(3) أخرجه ابن عديّ 1/ 199 - 200. لكن في المطبوع: (ويكتب) ، (ثم يكتب) ، بصيغة المضارع في الموضعين، وهذا فيه غموضٌ، ولعلّ الصواب ما أثبتّه، والشاهد منه واضحٌ، وهو تتبُّع آثار الصحابة عن الثقات، وكتابة آثار التابعين كذلك.