ومن مهمات المُلك الراشد في تنفيذ الدين حمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك، ومعاقبة المخالفين كما ظهر سابقًا. لأن بعض الناس لا يصلح إلا بالقوة، كما أن بعضهم لا يصلحه إلا اللين والتسامح. قال الشوكاني -رحمه الله-: فإن من الناس من يصلح بالهوان ويفسد بالإكرام كما هو معلوم لكل من يعرف أحوال الناس واختلاف طبقاتهم [1] .
ولكن هذا الأسلوب لا يمكن تطبيقه إلا بعد إزالة عوامل الإفساد والمنكرات في المجتمع وهو من وسائل حفظ الدين وتنفيذه، ومن مهمات المُلك، فلا يمكن الادعاء بحفظ الدين وجبر الناس عليه، مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة ولا إبعاد مع توافر القدرة على ذلك كما أنه ينبغي تيسير طرق الخير أمام العامة، والترغيب فيه بكل ممكن.
والمراد به الحكم في شئون هذه الحياة بما أنزل الله أو سياسة الدنيا به. وقد تكلمنا فيما سبق في «حراسة الدين» من العقوبات، وهي لا شك من الحكم بما أنزل الله، ولكنها ليست وحدها المراد بالحكم بما أنزل الله بل المراد به: إدارة وتدبير جميع شئون الحياة.
فمن أهم مهمات الملك الراشد ذلك؛ فلما تقرر كما بينا سابقًا وحدانية الله في الخلق والإيجاد ووحدانيته في الملك، تتقرر كذلك وحدانيته في التصرف في خلقه وملكه كنتيجة طبيعية لهما، وقد تولى القرآن الكريم تقرير وحدانية الله في التصرف فيما تقرر من قبل أنه خلقه وملكه، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [2] .
(1) الشوكاني، محمد بن علي، قطر الولي على حديث الولي أو ولاية الله والطريق إليها، تقديم وتحقيق د: إبراهيم هلال، (مصر: دار الكتب الحديثة، 1937 ه) ، ص 259.
(2) سورة الأنبياء الآية: (22 - 23) .