من حق وصدق في وقت لا ينفع فيه الندم وأفوض أمري إلى الله تعالى وحده؛ لكي يعصمني من كل سوء والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوال العباد وأفعالهم، وسيجازي يوم القيامة كل نفس بما كسبت [1] .
لقد فوض أمره إلى الله وتوكل عليه في حمايته وحفظه من مكر الأعداء وكيدهم {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [2] ونزل بفرعون وقومه سوء العذاب في الدنيا بالغرق، وسيعذبون في الآخرة في {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [3] كما جاء في الحديث: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» [4] ، ويأمر الله تعالى ملائكة النار أن تسوق فرعون وآله إلى دركات جهنم حيث العذاب يحيط بهم من كل جانب وذلك يوم القيامة.
لقد كان مصير فرعون المستبد وملئه وقومه الذين أطاعوه جهنم يتلقون فيها أشد العذاب وهم يتحاجون ويتلاومون، ولا جدوى من ذلك ولا فائدة لأن الله قد حكم بين العباد.
إنه نموذج للحاكم المتغطرس، المعتز بثروته وملكه، المستبد بشعبه، قد تجاوز حدوده القصوى فانتقم الله منه {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [5] .
وفي سورة الزخرف حيث استهلت بتقرير نعمة القرآن: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [6] تلك الهبة التي وهبها الله تعالى لقريش وكيف أنهم أعرضوا عنها واستخفوا بها، وجزاء هذا الإعراض والإستخفاف
(1) طنطاوي، مرجع سابق، 12/ 295.
(2) سورة غافر، الأية: 45.
(3) سورة غافر، الآية: 46.
(4) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ص 385، حديث رقم (1379) . وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ص 1290، حديث رقم 7140. كلاهما من رواية ابن عمر رضي الله عنه.
(5) سورة آل عمران، الأية: 4.
(6) سورة الزخرف، الأية: 4.