وسليمان لم يكن ملكًا جبارا، وهو لم يسمع بعد عذر الهدهد، ولم يعرف حجته، لذلك قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: حجة واضحة تبين عذره في غيابه غير المأذون به.
إن استدراك سليمان هذا: «يدل على أن من لوازم الحزم والضبط والعدل، إعطاء الفرصة للمتهم ليبين حجته، والدفاع عن نفسه، وعدم معاجلته بالعقوبة، فلا يعاقب المتهم إلا بعد ثبوت إدانته، أما إذا قدم حجة وعذرا فلا بد أن يقبل منه» [1] .
ولم يمر وقت طويل على تفقد سليمان الطير، وتهديده الهدهد، حتى عاد الهدهد ومعه نبأ عظيم!!! يعود ومعه المفاجأة التي ستغير مسار الأحداث:
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [2] .
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} : المكوث في اللغة: التوقف والانتظار [3] فهو يحمل معنى ملازمة المكان، والبقاء فيه مدة ما.
(1) الخالدي، مرجع سابق، (3/ 527) .
(2) سورة النمل، الأية: 21 - 26.
(3) مدكور وآخرون، المعجم الوسيط، تحقيق: مجمع اللغة العربية، (دار الدعوة) ، (2/ 916) .