وهذا أمر جرت عليه عادة الجيوش والملوك، وهو أمر تقتضيه قواعد الإدارة السليمة الناجحة.
تابع الجيش الكثيف مسيره في نظام دقيق، وانضباط وثيق، ولما كان سليمان -عليه السلام- يتصف بالحزم والقوة، وحسن الإدارة، بدأ يتفقد قواته، ليرى إن كان هناك خللا أو تقصيرا، ويبدو أنه تفقد جميع فرق الجيش، الجن والإنس، فوجد الأمر على ما يرام، والوضع يسير بإنسجام ووفق نظام، ولما وصل إلى فرقة الطير اكتشف أن في الأمر خللًا: إنه غياب أحد الجنود.
قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [1] .
وقد اختلف السلف في سبب تفقد سليمان الهدهد:
قال عبد الله بن سلام: كان سبب تفقد الهدهد وسؤاله عنه ليستخبره عن بعد الماء في الوادي الذي نزل به مسيره، وقال: وهب بن منبه [2] : كان تفقده إياه وسؤاله عنه: لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها [3] .
(1) سورة النمل، الأية: 19 - 20.
(2) هو وهب بن منبه الابْنَاوِي الصنعاني الذماري، أبو عبد الله (34 - 114 هـ = 654 - 732 م) : مؤرخ، كثير الأخبار عن الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات. يعد في التابعين. أصله من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن. وأمه من حمير. ولد ومات بصنعاء وولاه عمر بن عبد العزيز قضاءها. وكان يقول: سمعت اثنين وتسعين كتابا كلها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها في الكنائس، وعشرون في أيدي الناس لا يعلمها إلا قليل، ووجدت في كلها أن من أضاف إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر.
ومن كلامه، وينسب إلى غيره: إذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكوة! واتهم بالقدر، ورجع عنه. ويقال: ألف فيه"كتابا"ثم ندم عليه. وحبس في كبره وامتحن. قال صالح بن طريف: لما قدم يوسف بن عمر العراق، بكيت، وقلت: هذ الذي ضرب وهب بن منبه حتى قتله.
وفي"طبقات الخواص"أنه صحب ابن عباس ولازمه ثلاث عشرة سنة. من كتبه"ذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم"رآه ابن خلكان في مجلد واحد، وقال: هو من الكتب المفيدة. وله"قصص الأنبياء - خ"و"قصص الأخيار"ذكرهما صاحب كشف الظنون. وقال الحافظ في التقريب: ثقة من الثالثة. (انظر: الزركلي، الأعلام، 8/ 125 - 126 وابن حجر، التقريب، ص 883، ترجمة رقم 7535.) .
(3) الطبري، مرجع سابق، 19/ 144.