يصلبهم على جذوع النخل فحينما أدرك فرعون أن إيمان السحرة برب العالمين فيه خطر على ملكه بعد الهزيمة والخذلان، توعدهم بهذا العذاب الشديد ليصدهم ويصد غيرهم عن التفكير في الإيمان كما فعل السحرة فهو يصد عن سبيل الله ويمنع ذكر الله تعالى وهذا حال كل الطغاة وذلك لأن الإيمان بالله تعالى هو سبيل النجاة وسبيل الخروج من تسلطهم والتخلص من طغيانهم.
وقد قال الحق -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [1] .
أي: لا أحد أظلم وأشد جرمًا، ممن منع مساجد الله، عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات، واجتهد في خرابها الحسي والمعنوي فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية والنصاى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محاداة لله ومشاقة، فجازاهم الله بأن منعهم دخولها شرعًا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله تعالى، فحال فرعون ومن سار على نهجه الخزي في الدنيا والآخرة، لأنهم يصدون عن سبيل الله تعالى ويمنعون من ذكر الله تعالى [2] .
الملك الفاسد لا يكتفي بافتراء الكذب على الله والتكذيب بآياته والصد عن سبيل الله ومنع ذكر الله تعالى بل يقوم بتزييف الحقائق ووضع الأشياء في
(1) سورة البقرة: 114.
(2) انظر: السعدي، مرجع سابق، (1/ 63) بتصرف.