الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء فهؤلاء الذين كانوا في الدنيا كذلك، وصاروا في الآخرة محل الازدراء وقبح الهيئة والاشمئزاز من كل عباد الله المخلصين [1] .
وأما
في سورة الأعراف: فقد استغرقت قصة موسى -عليه السلام- أكبر مساحة وأكبر قدر، وفيها من الإيضاح والبيان ما لم يذكر في غيرها من القصص، لأن معجزات موسى -عليه السلام- كانت أقوى من معجزات الأنبياء السابقين، وجهل فرعون وقومه الذين أرسل إليهم كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام وتعرض هذه السورة معركة موسى -عليه السلام- في مواجهة فرعون وملئه، إنها معركة الحق والباطل، معركة الهدى والضلال، تعرضها في مشاهد ومواقف موجهة لأولئك الأحياء من كفار قريش الذين كان القرآن يخوض معهم معركة التكذيب، ويطلبون من رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم الخوارق لتصديقه وإلى أمثالهم ممن يتخذون نفس مواقفهم على مدار التاريخ، لذا لا ينبغي أن ننخدع بالتفاوت الظاهر أمامنا بين الحق والباطل، فإن تاريخ الحق بأكمله شهد على أنه يبدأ بأقلية ضعيفة تقاتل بغير عدد ولا عتاد ذلك الباطل، ثم تكون الغلبة لهم في النهاية.
والقرآن عرض قصص الأمم السابقة كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، ثم ينتقل من أخبار الرسالات السابقة إلى قصة موسى -عليه السلام- وفرعون فيقول: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [2] معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت عنهم السورة [3] وقد دلت {ثُمَّ} على المهلة لأن موسى -عليه السلام- بعث بعد
(1) ابن عاشور، مرجع سابق، 20/ 126.
(2) سورة الأعراف، الأية: 103.
(3) طنطاوي، مرجع سابق، 5/ 343.