فهو تهديد واضح، ووعيد حاسم، بأن سليمان سيغزو بلادهم بجيش لا طاقة لهم على دفعه ومواجهته، وسيخرجهم من أرض العز مهانين أذلاء.
ويسكت القرآن عما حصل للوفد:
لكن سياق الآيات يفهم منه أن الوفد عاد بالهدية إلى الملكة، وأخبروها بردة فعل سليمان، وتهديده الأخير لهم، وعزمه على مقاتلتهم، وإخراجهم من ديارهم أذلاء إن لم يأتوه مذعنين منقادين طائعين.
فعرفت الملكة -ومعها قومها- أن سليمان -عليه السلام- ليس ملكًا متجبرا، ولا حاكمًا دنيويا، ولكنه نبي من ربه، وأدركوا أنه لا مناص من الدخول في طاعته، والخضوع لأمره.
قال ابن كثير: «فلما رجعت إليها رسلها بهديتها، وبما قال سليمان: سمعت وأطاعت هي وقومها وأقبلت تسير إليه في جنودها، خاضعة ذليلة معظمة لسليمان، ناويةً متابعته في الإسلام» [1] .
علم سليمان بقدوم الملكة إليه، ومسيرها نحوه، وقد يكون عرف ذلك من الهدهد أو من غيره من جند سليمان، فمن عادة الملوك الأقوياء بث العيون لترقب حركة العدو وترصد أخباره، وتنقلها إلى القيادة وقد تكون الملكة أرسلت إلى سليمان أنها قادمة إليه.
وأراد سليمان أن يفاجأ الملكة بآية باهرة، ومعجزة قاهرة، تكون دليلًا على أنه نبي مرسل، معه العون والمدد والنصرة من الله، فجمع أهل الحل والعقد في مملكته وعرض عليهم خطته: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن
(1) ابن كثير: مرجع سابق، (3/ 364) .