ذكر لنا القرآن من أنواع الملك المُلك الراشد وكان النموذج الأمثل في ذلك هو ذو القرنين ملك الدنيا وعمَّرها، وفتح الأمصار وسخر أيامه لبنائها، وهو فاتح الدنيا، وبالغ المشرق والمغرب الملك العظيم، الذي أثنى عليه رب العزة ونوه إليه في مثال الحاكم الصالح.
ذو القرنين نموذج أمثل لكثير من الحكام الذين يتربعون على السلطة دون أن يؤلمهم جوع فقير أو مظلمة وليعلم هواة الحروب وعشاق الفتنة وصيادو رءوس البشر أن بقاء ملكهم هو في عدلهم، وليس في ظلمهم، وسر محبة الملوك والحكام هو في تقربهم بالأعمال لله ثم خدمة شعبهم؛ والعجب في أمره أنه طاف بالدنيا، وبلغ المشرق والمغرب، والذي خلد ذكره هو الكتاب الحي كتاب الله الخالد، وأجمل به ملكًا راشدًا مصلحًا عادلًا نصوحًا.
وذو القرنين ليس اسمًا، إنما هو لقبٌ لقب به، ولقد ذكر في سبب تسميته بذي القرنين وجوه منها:
1 -أنه دعا إلى طاعة الله فضرب على قرنه الأيمن فمات، ثم بعثه الله تعالى فدعا فضرب على قرنه الأيسر فمات، ثم بعثه الله تعالى فسمي ذا القرنين وملك ما ملك، وروى هذا عن علي رضي الله عنه [1] .
ويقول الشيخ الأيجي [2] في تفسيره أنه صح عن علي أنه قال: كان عبدًا ناصح الله فناصحه ودعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه
(1) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، (بيروت: دار إحياء التراث، 1408 ه-1988 م) ، 2/ 103 - 104.
(2) هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسنى الحسيني الأيجي الشافعي (832 - 905 هـ = 1429 - 1500 م) : مفسر، من أهل (إيج) بنواحي شيراز. من كتبه (جامع البيان في تفسير القرآن - ط) ورسالة في (بيان المعاد الجسماني والروح - خ) . (انظر: الزركلي، الأعلام، 6/ 195) .