المبحث الأول: الامتنان بالملك على
بعض عباده
المطلب الأول: في سبب وجود الملك:
إن الاجتماع البشري لابد فيه من وازع وهو السلطان القائم بقهر ملكه عن ما يعرض فيه من الشرور الطبيعية لوجوده [1] قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [2] على بعض محتملاته وهو أن معناه أن الله تعالى يدفع بوضع الشرائع ونصب الملوك أنواع الشرور والمفاسد. قال الإمام فخر الدين: ويشهد له قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم ببَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [3] [4] .
كما أن المُلك المستقل به من حجج الله تعالى على وجوده وبينات الدلالة على توحيده لأن عدم استقامة العالم بغير مدبر، شاهد على أن هذا الكون الفسيح المخلوق بهذه الدقة المتناهية والسائر بهذه العناية الفائقة، لا يصح إسناده لغير شيء بل لابد من الإقرار بخالقه الحكيم العليم، كما أنه في استحالة صلاح البلد الواحد بنصب ملكين دليل على أن العالم لا يصلح بوجد الهين كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [5] .
والعالم بأسره في سلطان الله -عز وجل- كالبلد الواحد في سلطان الأرض، كما أن الملك منزلته من الدين منزلة الأخ المعين على رفع رايته
(1) ابن الأزرق، محمد بن علي بن محمد الأصبحي، بدائع السلك في طبائع الملك، تحقيق: علي سامي النشار، ط 1، (القاهرة: دار السلام، 2007 م) ، ص (101) .
(2) سورة البقرة، الأية: 251.
(3) سورة الحج، الأية: 40.
(4) ابن الأزرق، مرجع سابق، ص (101) .
(5) سورة الأنبياء، الأية: 22.