وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة الذي لا يصرفه عنه مال ولا عرض من أعراض هذه الأرض [1] .
وفي قولها: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} ، دلالة على أنها لم تثق بالقبول، وجوزت الرد، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان [2] ، ويبدو أن الملأ وافقوها على رأيها، واستحسنوا خطتها. وإلى هنا يسدل الستار على هذا المشهد ليبدأ المشهد الذي يليه.
أعدت الملكة هديتها، وأرسلت بها مع وفد رفيع -كعادة الملوك- والقرآن الكريم سكت عن هذه الهدية ما هي؟ وما حجمها؟ وما نوعها؟ وبالغت الإسرائيليات في وصفها مبالغة كبيرة لا يصدقها عقل، وهي أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقيقة!!!
قال ابن عطية [3] عن هذه الهدية: «أكثر بعض الناس في تفصيلها، فرأيت اختصار ذلك لعدم صحته» [4] .
وقال الألوسي [5] في التعليق على ما ورد بشأن هذه الهدية: «وكل ذلك أخبار لا يدري صحتها ولا كذبها، ولعل في بعضها ما يميل القلب إلى القول بكذبه» [6] .
(1) سيد قطب، مرجع سابق، (5/ 2640) .
(2) الفخر الرازي، محمد بن عمر بن الحسين، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب من القرآن الكريم، ط 2، (بيروت: دار إحياء التراث، 1417 ه-1997 م) ، (8/ 555) .
(3) هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، من محارب قيس، الغرناطي، أبو محمد (481 - 542 هـ = 1088 - 1148 م) : مفسر فقيه، أندلسي، من أهل غرناطة. عارف بالأحكام والحديث، له شعر. ولي قضاء المرية، وكان يكثر الغزوات في جيوش الملثمين. وتوفي بلورقة. له (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - خ) في عشر مجلدات، و (برنامج - خ) في خزانة الرباط (المجموع 1301 ك) في ذكر مروياته وأسماء شيوخه. وقيل في تاريخ وفاته سنة 541 و 546. (الزركلي، الأعلام، 3/ 282) .
(4) ابن عطية، مرجع سابق، (4/ 259) .
(5) هو محمود بن عبد الله الحسينى الألوسي، شهاب الدين، أبو الثناء (1217 - 1270 هـ = 1802 - 1854 م) : مفسر، محدث، أديب، من المجددين، من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها. كان سلفي الاعتقاد، مجتهدا. تقلد الإفتاء ببلده سنة 1248 هـ وعزل، فانقطع للعلم. ثم سافر (سنة 1262 هـ إلى الموصل، فالاستانة، ومر بماردين وسيواس، فغاب 21 شهرا وأكرمه السلطان عبد المجيد. وعاد إلى بغداد يدون رحلاته ويكمل ما كان قد بدأ به من مصنفاته، فاستمر إلى أن توفى. من كتبه(روح المعاني - ط) في التفسير، تسع مجلدات كبيرة، و (نشوة الشمول في السفر إلى اسلامبول - ط) رحلته إلى الاستانة، و (نشوة المدام في العود إلى دار السلام - خ) و (غرائب الاغتراب - ط) ضمنه تراجم الذين لقيهم، وأبحاثا ومناظرات، و (دقائق التفسير - خ) و (الخريدة الغيبية - ط) شرح به قصيدة لعبد الباقي الموصلي، و (كشف الطرة عن الغرة - ط) شرح به درة الغواص للحريري، و (مقامات - ط) في التصوف والأخلاق، عارض بها مقامات الزمخشري، و (الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية - ط) و (حاشية على شرح القطر - ط) في النحو، و (الرسالة اللاهورية - ط) . ونسبة الأسرة الألوسية إلى جزيرة (آلوس) في وسط نهر الفرات، على خمس مراحل من بغداد.
فر إليها جد هذه الأسرة من وجه هولاكو التترى عندما دهم بغداد، فنسب إليها. ولصاحب الترجمة شعر لا بأس به وإبداع في الإنشاء. وقد ألفت في ترجمته رسائل مفصلة. (الأعلام 2/ 259 ووفيات الأعيان 8/ 145 وفيه رواية اخرى في وفاته سنة 516 ه وتهذيب ابن عساكر 4/ 245 ووفاته فيه سنة 516 ه) .
(6) الألوسي، مرجع سابق، (19/ 200) .