فيها الفساد، وأباحوا دماءها، وانتهكوا حرماتها، وحطموا القوة المدافعة عنها، وعلى رأسها رؤساؤها، وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة، وهذا رأيهم الذي يفعلونه [1] .
وجملة: {وكذلك يفعلون} : يحتمل أن تكون من كلام الملكة كأنه تذييل وتأكيد على كلامها السابق بحق الملوك بحكم تجارب التاريخ، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تصديقًا لقولها عن الملوك.
والملوك نوعان: صالحون عاملون بشرع الله، عادلون في أحكامهم وما ولوا، وفاسدون مفسدون متجبرون، يحكمون الناس بالظلم والعدوان.
وقول ملكة سبأ ينطبق على الملوك: «الذي يحكمون بشرائع الضلال والجاهلية، والشرائع القائمة على الظلم والشر والباطل، والتي تسول للساسة والأمراء والملوك والطغاة أن يفعلوا الآثام والمنكرات والمعاصي، أولئك هم ملوك الضلال والباطل، الذين يشاقون الله ورسله، ويسعون في الأرض فسادًا، ويسوسون الناس بغير ما أنزل الله، بل يسوسونهم بالكفر وأنظمة الجاهلية ويقودونهم بالبطش والتنكيل» [2] .
ثم أفصحت الملكة عن خطتها:
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [3] .
والهدية: فعلية من أهدى. فالهدية: ما يعطي بقصد التقرب والتحبب [4] .
وهذا من رجاحة عقلها وفطنتها، فقد علمت أن للهدية تأثيرًا بالغًا في النفوس.
والهدية تلين القلب، وتعلن الود، وقد تفلح في دفع القتال، وهي تجربة؟ فإن قبلها سليمان هو إذن أمر الدنيا، ووسائل الدنيا إذن تجدي،
(1) سيد قطب، مرجع سابق، (5/ 2640) .
(2) عبد العزيز، مرجع سابق، (5/ 2505) .
(3) سورة النمل، الأية: 35.
(4) ابن عاشور، مرجع سابق، (9/ 267) .