المبحث الثاني
الله جل جلاله خالق كل شيء ومالكه
يشهد الكون بكل ما فيه ومن فيه بأنه مخلوق لخالق عظيم له من صفات الكمال وطلاقة القدرة، وعظيم الحكمة ما يتضح في كل شي خلقه، وحداثة المخلوقين وديمومة الله تعالى تؤكد حقيقة الربوبية، والألوهية، والوحدانية والخالقية، والسلطة المطلقة في هذا الكون الذي لا يملكه إلا خالقه، وحافظه ومدبر أمره.
فمن عقيدة المسلم أن يوحد الله بأفعاله، ويعتقد تفرده بالخلق والملك والرزق والتدبير فهو وحده الذي يخلق الخلق ويدبر الأمر، وهو وحده الذي يرسل الرسل ويشرع الشرائع ليحق الحق بكلماته إلى غير ذلك مما لا يحصى العد ولا يحيط بها الخلق.
فالله خالق كل شيء ومليكه قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [1] .
وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [2] . أي له الخلق وله التصرف فالله جل وعلا قدم في هذه الآية الخبر الذي كان من حقه التأخير للدلالة على أنه جل وعلا له الخلق والتدبير والقاعدة البلاغية: أن تقدم ما حقه التأخير يفيد الحصر والقصر [3] .
وقال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [4] ، فهو الذي خلق الخلق وقدر المقادير وجعل الخليقة على ما أراد، وهو الذي
(1) سورة الزمر، الأية: 60.
(2) سورة الاعراف، الأية: 54.
(3) أسلوب القصر فن عظيم من فنون علم المعاني خاصة، والبلاغة عامة تؤدي الجملة الواحدة فيها معنيين معا، تثبت المعنى لشئ، ثم تنفيه عن شئ آخر في الوقت نفسه. (انظر: المطعني، عبد العظيم، البلاغة 1،(جدة: دار الأندلس الخضراء، 1425 ه-2005 م) ، ص 125.
(4) سورة طه، الأية: 50.