وقال إمام الحرمين: وأما اعتناء الإمام بسد الثغور فهو من أهم الأمور وذلك بأن يحصن أساس الحصون والقلاع، ويستظهر لها بذخائر الأطعمة ومستنقعات المياه، واحتفار الخنادق والعتاد وآلات القصد والدفع ويرتب على كل ثغر من الرجال ما يليق به [1] .
ونلاحظ هذا واضحًا جليًا في قصة ذي القرنين وبناء السد الذي منع من خلاله يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض من اختراقه، فحبس أهل الفساد، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، وذلك لحفظ أمن للمملكة.
يعد اختيار الأكفاء من مهمات الملك الراشد؛ فسليمان عليه السلام اختار الهدهد لإرسال الكتاب إلى ملكة سبأ حيث إنه هو من أتى بالأخبار وعرف مداخل المملكة ومخارجها وعلم مساربها ومجاهلها.
وامتثل الهدهد لأمر سليمان وفعل ما أمره به وذلك لأنه الأكفاء والأصلح في ذلك.
وعن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه و سلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث؛ فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال (أين - أراه - السائل عن الساعة؟) ، قال: ها أنا يا رسول الله، قال: (فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) ، قال: كيف إضاعتها؟، قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) [2] .فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم إسناد الأمر إلى غير أهله من علامات الساعة، ولذا اختيار الأكفاء أحد أهم المهمات الأساسية للملك الراشد.
(1) الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، غياث الأمم والتياث الظلم، ت: فؤاد عبد المنعم ومصطفى حلمي، (القاهرة: دار الدعوة، 1979) ، ص 156.
(2) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم حديثه ثم أجاب السائل، ص 87، حديث رقم 59.