إن الطباع البشرية نزاعة إلى الشر أكثر من نزوعها إلى الخير، فلو كانت مفطورة على الشر؛ لفسدت الأرض ومن عليها، ولو كانت مفطورة على الخير، لانتفت الحاجة للأنبياء عليهم السلام لذلك كانت النفس نزاعة، وهذا النزاع يغويها ويبعدها عن طريق الحق والعدل، والهداية.
والله تبارك وتعالى الملك الحق يستخلف بعض خلقه ويمكنهم من الملك في الأرض يمتن به عليهم قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [1]
ولما كانت الطباع البشرية نزاعة إلى الشر أكثر من نزوعها إلى الخير فهناك من الملوك من يغتر بملكه ويطغى ويتجبر ولقد قص القرآن لنا من قصص هؤلاء الملوك على سبيل العظة والعبرة ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [2] ،والاستفهام في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} للتعجب من هذه المحجة وغرور صاحبها وغباوته مع الإنكار وقوله: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} معناه: أن الذي حمله على هذه المحاجة هو إيتاء الله تعالى المُلك له، فكان منشأ إسرافه في غروره وسبب كبريائه وإعجابه بقدرته [3] ، وقال صاحب الكشاف: « {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} متعلق بحاج على وجهين أحدهما: حاج لأن أتاه الله المُلك على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك؛ أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الله الملك،
(1) سورة آل عمران، الأية: 26.
(2) سورة البقرة، الأية: 258.
(3) رشيد رضا، مرجع سابق، (3/ 39) .