فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 360

فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم وجادله في ربوبية الله فزعم أنه يفعل كما يفعل الله «واستعمال حرف (إلى) هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث ومثال ذلك ما نقوله أحيانًا: ألم تر إلى زيد يفعل كذا فكأن ما فعله زيد أمر عجيب، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية الأمر، لأن «إلى» تفيد الوصول إلى غاية والحق يقول هنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} و (إلى جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة» [1] .

وقوله: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} حكاية لما قاله إبراهيم عليه السلام لما حاجه ذلك الملك في مقام التدليل على وحدانية الله تبارك وتعالى وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة، وقول إبراهيم كما حكاه القرآن: ربي الذي يحيي ويميت يفيد القصر عن طريق تعريف المبتدأ وهو ربي والخبر هو الموصول صلته وعبر بالمضارع في قوله: يحيي ويميت لإفادة معنى التجدد والحدوث الذي يُرى ويُحس بين وقت وآخر. أي ربي هو الذي يحيي الناس ويميتهم كما ترى ذلك مشاهدا في كثير من الأوقات، فمن الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال، ولكن اغتراره بملكه وسلطانه جعل ذلك الطاغية يقول: أنا أحيي وأميت أي: إذا كنت تدعي أن ربك وحده الذي يحيي ويميت فأنا أعارضك في ذلك لأني أنا أيضًا أحيي وأميت وما دام الأمر كذلك فأنا مستحق للربوبية، قالوا: يقصد بقوله هذا أنه يستطيع أن يعفو عمن حكم بقتله، ويقتل من شاء أن يقتله، ولقد كان في استطاعة إبراهيم -عليه السلام- أن يبطل قوله، بأن يبين له بأن ما يدعيه ليس من الإحياء والإماتة المقصودين بالاحتجاج، لأن ما قصده إبراهيم هو إنشاء الحياة وإنشاء الموت، ولكنه آثر ترك فتح باب الجدال والمحاورة، وآتاه بحجة هي غاية في الإقحام فقال له كما حكى القرآن: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ

(1) انظر: الشعراوي، مرجع سابق، (1/ 714) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت