الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ أي قال إبراهيم لخصمه المغرور بملكه: لقد زعمت أنك تملك الإحياء والإماتة كما يملك الله تعالى ذلك، ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركًا لله تعالى في قدرته فإن كان ذلك صحيحًا فأنت ترى وغيرك يرى أن الله تعالى يأتي بالشمس من جهة المشرق عند شروقها، فأت بها أنت من جهة المغرب في هذا الوقت فماذا كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التي قذفها إبراهيم في وجه خصمه؟.
كانت نتيجتها كما حكى القرآن فبهت الذي كفر أي: غلب وقهر، وتحير وانقطع عن حجاجه، واضطرب ولم يستطع أن يتكلم، لأنه فوجئ بما لا يملك دفعه، والبهت: الانقطاع والحيرة، والفاء في قوله فإن الله يأتي بالشمس فصيحة لأنها أفصحت عن جواب لشرط مقدر؛ أي إن كنت تزعم أنك تحيي وتميت واغتررت بملكك وزعمت أن قدرتك كقدرة الله جل وعلا فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، وعبر عن هذا المبهوت بقوله: الذي كفر للإشعار بأن سبب حيرته واضطرابه هو كفره وعناده [1] .
وتذييل الآية بقوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} مقرر لمضمون ما قبله أي لا يهدي الله جل وعلا الذين ظلموا أنفسهم بتعريضهم للعذاب المخلد بسبب إعراضهم عن قبول الهداية إلى مناهج الاستدلال أو إلى سبيل النجاة أو إلى طريق الجنة يوم القيامة [2] وهذا إخبار من الله تعالى بأن الظالم لا يهديه، وظاهره العموم والمراد هداية خاصة، أو ظالمون مخصوصون، فما ذكر في الهداية الخاصة أنه لا يرشدهم في حجتهم، وقيل: لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا إلى الجنة، وقيل لا يلطف بهم ولا يلهم ولا يوفق، والذي يظهر أن هذا إخبار من الله بأن من حكم عليه، وقضى بأن
(1) طنطاوي، مرجع سابق، (1/ 593 - 594) بتصرف.
(2) أبو السعود، محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، (بيروت: دار إحياء التراث العربي) ، (1/ 253) .