{مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [1] : أي: لا أصدر أي حكم، ولا أتخذ أي قرار، إلا بعد وضعكم في الصورة الكاملة، وسماع آرائكم، والإستفادة من مشورتكم واقتراحاتكم.
وهذا دليل حزمها، ورجاحة عقلها، إذ تعبأ بالمشورة لتخلص إلى الرأي السديد [2] .
وكان رد الملأ من قومها -بعد أن طلبت رأيهم:
{قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [3] .
ردوا بأنهم: أصحاب قوة وشجاعة وبأس، كثير أعدادهم، قوية أجسادهم، شديدة بأسهم، قال الزمخشري: «أرادوا بالقوة الأجساد وقوة الآلات والعدد. وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب» [4] .
ورغم اعتدادهم بقوتهم، واختيالهم ببأسهم، إلا أنهم ردوا الأمر إليها، وفوضوها بإتخاذ القرار، وأعلموها أنهم لأمرها خاضعون، وبرأيها ملتزمون.
وكأن الملكة فهمت من جواب الملأ ميلهم إلى القتال، وهي غير راغبة به، فأرادت أن تثبط عزائمهم وتفت في عضدهم، ويظهر أنها كانت تميل إلى مسالمة سليمان وموادعته، لذا قالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [5] .
حذرتهم أن من عادة الملوك المتجبرين إذا دخلوا قرية عنوة خربوها، واستباحوا الحرمات وسفكوا الدماء، واستولوا على الأموال، واستذلوا أهلها بالقتل والسبي والأسر وغير ذلك من أنواع الإهانة والإذلال، وأشاعوا
(1) سورة النمل، الأية: 32.
(2) عبد العزيز، مرجع سابق، (5/ 2753) .
(3) سورة النمل، الأية: 33.
(4) الزمخشري، مرجع سابق، (3/ 353) .
(5) سورة النمل، الأية: 34.