«فما آتاني الله خير مما آتاكم» لا حاجة لي إلى مالكم، فقد آتاني الله من النعم الكثيرة، والأموال الوفيرة خير مما عندكم، مما أستغني به عن هديتكم وأموالكم.
{بَلْ أَنتُم بهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} بل: للإضراب الانتقالي، وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم [1] .
ثم أطلق سليمان تهديده القوي الصاعق، وإنذاره الأخير، وحمل رسالة مع وفد الهدية.
{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنهُم بجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بهَا وَلَنُخْرِجَنهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
والخطاب: إما للوفد الذي حمل الهدية، أو للمفوض عن هذا الوفد والناطق باسمه، أمره برد الهدية إلى من أرسلها.
وتدخل الأمور الآن في طور المواجهة، بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية.
{فَلَنَأْتِيَنهُم بجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بهَا} يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه، فتكون الباء للمصاحبة، ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية [2] .
وما كان سليمان ليرسل جيشه في مهمة خطيرة مثل هذه دون أن يكون معهم، لذا فإني أرجح كون الباء للمصاحبة. ويشهد لذلك قوله تعالى: {فَلَنَأْتِيَنهُم} .
ومعنى: {لَّا قِبَلَ لَهُم بهَا} أي: لا طاقة ولا قدرة لهم بها.
{وَلَنُخْرِجَنهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} الصغار لغة: الذلة. والصاغر: الراضي بالمنزلة الدنّية [3] .
(1) ابن عاشور، مرجع سابق، (9/ 268) .
(2) ابن عاشور، مرجع سابق، (9/ 269) .
(3) انظر: الراغب الأصفهاني، مرجع سابق، (315) .