لقد صنع الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد، وأقام الوحدة على دعائم ثابتة لا يتطرق إليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم حريصين على طاعة ربهم وحَّد الإسلام بين المسلمين جميعًا بما أوجب عليهم من الإيمان برب واحد، والخضوع لإله واحد واتباع كتاب واحد، ومشرع واحد، وبما جعل للأمة الإسلامية على تعداد أفرادها من هدف واحد، وتفكير واحد، ومنهج واحد، وبما طبع عليه المسلمين من آداب وأخلاق موحدة وبما جعل للأمة كلها من قبلة واحدة، وسياسة واحدة، وسلوك واحد، وأمر لا يختلف على أصوله اثنان [1] ؛ فتوحيد الصفوف وجمع الكلمة هي الدعامة الوطيدة لبناء المُلك الراشد ودوام دولته ونجاح رسالته.
ومن مقومات جمع الكلمة الأخوة في الإسلام، وجعل الرابطة بينهم رابطة العقيدة العقيدة وحدها. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [2] وقال -عز وجل- {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ... الآية} [3] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يحقره، التقوي ها هنا يشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) [4] ، وقضى على الحواجز الجغرافية والعصبيات الوطنية والقبلية، وقضى على اختلافات اللغة والجنس واللون، وجعل الميزان والمعيار الثابت لقياس الأفضلية هو التقوى والعمل الصالح قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ
(1) عودة، عبد القادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 67.
(2) سورة الحجرات، آية 10.
(3) سورة آل عمران، آية: 103.
(4) صحيح مسلم، كتاب البر، باب تحريم الظلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، ص 1174، حديث رقم 6487.