عدم الفلاح في الدنيا والآخرة نتيجة عادلة وأثر من آثار المُلك الفاسد فمن طغى وتجبر في الدنيا، وظن أن المُلك ملكه يعطي ويمنع ويعز ويذل، تكون عاقبته عدم الفلاح في الدنيا والآخرة؛ ففرعون وجنوده أطبق الله عليهم البحر، فهلك هو وجنوده وماتوا غرقا، وذهبوا إلى عذاب الله.
أما فرعون فإنه قبل أن يموت أعلن إيمانه وهو إيمان"المضطر"الذي لا يقبل من صاحبه قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [1] ؛ فبعد أن غمره موج البحر، وأحاط به الغرق، وأيقن أنه لا نجاة له من هذا الغرق، في هذه اللحظة عرف فرعون أنه زال عنه كل مظاهر القوة والجاه والسلطان، والادعاء والغطرسة، أين قوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [2] ، الآن عرف أنه لا إله إلا الله وأيقن أنه ليس إلهًا، ولهذا أعلن إيمانه بالله، وإسلامه لله وحده لا شريك له.
لما أعلن فرعون من تحت الماء إيمانه وإسلامه، ردَّ عليه المَلَك قائلًا: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [3] ، وهذه الجملة سخرية من فرعون، وتأنيب له، وإخباره أن إسلامه وإيمانه جاء متأخرًا، فلماذا لم يؤمن من قبل، في وقت الاختيار والقناعة والتفكير.
وهكذا انتهت حياة فرعون المستبد الطاغية المتأله، غريقا في البحر، خرجت روحه من جسده وهو تحت الماء، وقبض الله أرواح آله وجنوده الغرقى من حوله، ولم ينفعه علوه في الأرض، ولم ينصره قومه وملؤه، ولم يدفع عنه أحد العذاب، وكان موته غرقا دلالة على ضعفه وعجزه وكذبه في ادعائه الألوهية والربوبية.
(1) سورة يونس، الأية: 90.
(2) سورة الزخرف، الأية: 51.
(3) سورة يونس، الأية: 91.