فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 360

وحكمة سليمان في التعامل مع هذا الخبر تدل على الموضوعية والمنهجية التي يجب أن ينظر الإنسان بها إلى الأخبار الجديدة التي يسمعها، فالمسارعة بقبولها سذاجة، والمسارعة بتكذيبها جهل وعناد، فلابد للإنسان أن يتمهل وأن يتثبت ويتبين من تلك الأخبار التي يفحصها ويتأكد منها [1] .

وكانت وسيلة سليمان للتأكد: أن يرسل كتابًا إلى هذه الملكة!!! وخير من يحمل الكتاب: من أتى بالأمر العجاب، أنه الهدهد الذي أتى بالأخبار، وخبر الطريق، وعرف مداخل المملكة ومخارجها، وعلم مساربها ومجاهلها، فقال للهدهد: - {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} .

إن سليمان نبي كريم، وملك عظيم، وجيشه قوي، وجنوده كثر، وهو لا يقبل أن يوجد من تصله يداه وهو كافر دون أن يدعوه إلى التوحيد، وإلى عبادة الله الواحد القهار، فقرر إرسال الهدهد إلى ملكة سبأ وقومها في مهمة دعوية، وسفارة إيمانية، فأعد كتابًا وحمله للهدهد وأمره أن يذهب به إلى مملكة سبأ، وأن يلقيه إليهم، ويرى ردة فعلهم وجوابهم.

والإلقاء: طرح شيء حيث تلقاه: أي تراه، ثم صار في التعارف اسمًا لكل طرح [2] .

وهو هنا مستعمل إما في حقيقته إن كان شأن الهدهد أن يصل إلى المكان فيرمي الكتاب من منقاره، وإما في مجازه إن كان يدخل المكان المرسل إليه فيتناول أصحابه الرسالة من رجله التي تربط فيها الرسالة [3] .

{ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} . أمره بعد أن يلقي الكتاب أن يبتعد عنهم ويتوارى في مكان يسمعهم ولا يرونه. «أمره بذلك لكون التنحي بعد

(1) الخالدي، القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، مرجع سابق، (3/ 535) .

(2) الراغب الأصفهاني، مرجع سابق، (508) .

(3) ابن عاشور، مرجع سابق، (9/ 257) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت