فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 182

هذا بعض ما يريب الإسلام الصحيح من الرأسمالية الطاغية، التى عرفتها ـ ولم تعرف غيرها ـ بلاد الإسلام المنكوبة، والتى يراد تخفيف بعض أوضارها بتشريع متواضع، كتقييد الملكيات الكبيرة. أفهذا كثير؟؟. ما أشبه الليلة بالبارحة! ما أشبه حركة تقييد الملكيات اليوم بحركة تحرير الرقيق في القرن السابق. كلتا الحركتين طاعة محققة لأوامر الإسلام، ونزول حق عند تعاليمه الحقة، ومع ذلك فأصدقاء هذه الحركات، بل قادتها، ليسوا من رجال الدين. وتفصيل ذلك، أن العصور الوسطى حفلت بحركة اختطاف واسعة النطاق، أشرفت على تنظيمها عصابات مسلحة، كانت تختطف الرجال السود من المناطق الحارة، والفتيات البيض من مناطق الشمال. وهؤلاء التعساء من الرجال والنساء، أحرار أحرار، لا يمارى في إثبات حق الحرية لهم، من له مسكة من عقل. ومع هذا سُخر في الخدمة كثير من العبدان السود، كما سُخر في المتعة كثير من هؤلاء الجوارى الجميلات، وقامت أسواق النخاسة تحت سمع وبصر حكام الدنيا بالجبروت، وحكام الدين بالفتوى، فلم يتحرك للإنكار عليها أحد. ولو ساكت أحد المختصين بإصدار الفتوى: هل يبيح الإسلام هذا الرق؟. لنظر في كتبه لحظة، ثم خرج لك بفتوى لها عرض وطول، يثبت لك فيها بالآيات والسنن أن القرآن أقر وجود العبيد والإماء وأن الرسول وصحابته استرقوا عددا لا يحصى من الكفار، وأن أئمة الفقه فرعوا آلاف المسائل على أبواب شتى، تدور حول مشروعية الاسترقاق.. الخ. وبهذه الفتوى يختطف الأحرار ويستذلون، وتؤسس للنخاسة مناسر ومتاجر في الشرق الإسلامى. وهى فتوى يخرج الواقع لها لسانه! ويصب الدين عليها وعلى صاحبها صواعقه. فبين ما تضمنت من مسائل العلم، وبين ما سئلت عنه من واقع الحياة، بُعْد المشرقين، وكذلك يعيد التاريخ نفسه.138

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت