قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم، وضرب على رءوسهم الجزية وعلى أراضيهم"الطسق"أى الخراج، ولم يقسم بينهم". ولم يكن ذلك بأرض السواد بالعراق فحسب، بل وقع مثله في أرض مصر نفسها."حدث سفيان بن وهب الخولانى. قال: لما افتتحت مصر بغير عهد، قام الزبير. فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها، فقال عمرو: لا أقسمها. فقال الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيبر. فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إلى"عمر"، فكتب إليه عمر: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة. قال أبو عبيد القاسم بن سلام، الذى روى هذا الحديث، في كتابه الأموال:"أراه أراد أن تكون فيئا موقوفا للمسلمين، ما تناسلوا يرثه قرن عن قرن، فتكون قوة لهم على عدوهم". فهذه روايات متضافرة على معنى واحد، وهو أن"عمر"منع المقاتلة، ما كانوا يرونه حقا لهم بمقتضى الكتاب وعمل الرسول، من قسمة أربعة أخماسها عليهم.. لئلا يحوزها الحاضرون، ولا يبقى منها شىء لمن يأتى بعدهم. ولم ينفرد بذلك عمر، بل روى مثله عن"على"و"معاذ بن جبل"."روى عن عبد الله بن قيس الهمدانى، قال: قدم عمر الجابية، فأراد قسمة الأرض بين المسلمين، فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدى القوم، ثم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يآتى من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم". وأشار بمثل ذلك"على"، حين استشاره"عمر". فهؤلاء النفر من جلة الصحابة:"عمر"، و"على"، و"معاذ بن جبل"، اتفقوا على منع المقاتلة عن قسمة الأرض بينهم، رعاية لمصلحة بقية المسلمين. لئلا يحوزها المقاتلة ولا يبقى شىء لمن يجىء بعدهم.170