ثانيا: أنه يفيد في فهم كثير من النصوص الدينية - والتعبير عنها تعبيرا يلائم عقلية العصر وروحه. فقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46] يدّلنا على أن التفكير النافع الجدير بأن يوصل صاحبه إلى الحق هو تفكير الإنسان مع رفيق له وحده - بعيدا عن تأثيرات العقل الجمعي وإيماءاته التي كثيرا ما تجرف الإنسان عن الصواب والاتزان - وهذا ما يقرره علم النفس.
وقوله - صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ» (1) يشير إلى تأثير الانفعال - وخصوصا إذا اشتدّ - على سلامة الإدراك - وصحة التفكير، وهو ما يقرره علم النفس.
ثالثا: أنه يزيد الداعية فهما لأسرار كثير من الأحكام الشرعية - فيزداد إيمانا بكمال عدل الله وحكمته فيما شرع - ويكون أقدر على بيان ذلك لغيره من الناس. من ذلك، جعل قوامة الأسرة بيد الرجل، لا المرأة - فلم يكن ذلك محاباة لجنس الرجال ولا حيفا على جنس النساء - كيف والله خالق الذكر والأنثى جميعا، وهو ربهما جميعا؟!
يقول الدكتور يوسف مراد:"كثير من البحوث التي استخدم فيها مقاييس التقدير الذاتي للشخصية - والتي طبقت على مجموعة من الذكور والإناث الكبار، بيّنت أن هناك فروقا بين الجنسين في النواحي الانفعالية - ومما يمثل هذه الدراسات بحث للتقدير الذاتي بمقاييس"برونووبتر"وكان من نتائج تطبيقه أنه تبيّن أن الرجال بالتأكيد أكثر ثباتا من النساء، وأنهم أقل تعرّضا لاضطراب الأعصاب، وأكثر اعتمادا على أنفسهم، وأقل انطواء، وأكثر سيطرة، وأكثر ثقة في أنفسهم من النساء" (2) .
رابعا: أنه يعين الداعية على فهم نفسية من يدعوه من الأفراد أو الجماعات، ودراسة اهتماماتهم، وما يؤثر في نفوسهم، ليخاطبهم على قدر عقولهم ويعطيهم بقدر ما يقبلون ويطبقون، دون أن ينفرهم أو يثقل عليهم، أو يجلب لهم الْمَلَل والسآمة.
وهنا نذكر الوصية النبوية: «يَسِّرُوْا وَلَا تُعَسِّرُوْا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (3) ، وكان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل:"يا أبا عبد الرحمن، لوددتُ أنك ذكّرتنا كل يوم!"، قال:"أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أَمِلَّكُمْ. وإني أتخوّلكم بالموعظة كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بها مخافة السآمة علينا" (4) .
(1) رواه البخاري.
(2) ميادين علم النفس (2/ 606 - 607) .
(3) رواه الشيخان عن أنس.
(4) رواه الشيخان والترمذي.